وحدها من تصنع رجالاً
زينب عبدالوهاب الشهاري
زينب عبدالوهاب الشهاري

كانت تتأمله في إعجاب، لا تدري كيف تغيرت ملامحه في عيونها و هو الذي فارقها لمدة وجيزة فقط، كانت تتوج محياه هالة من الوقار على غير العادة و عينيه تنطق بكل معاني السكينة، و هو الذي طالما كان في نظرها ذلك الصغير المدلل رغم تجاوزه الرابعة و العشرين، كانت تبالغ في الخوف عليه، تعد له ما يشتهي من الطعام و تأنبه كثيراً إن تأخر عن البيت و لو بضع دقائق، كان لا يزال في نظرها ذلك الشقي المدلل، و حين رغب أن يدرس في إحدى الجامعات الأهلية غالية الثمن باعت عن طواعية ما كانت تحتفظ به من مجوهرات لتلبي رغبته، كثيرا ما كانت تصرفاته التي تصفها بالطائشة مصدر قلق لها، تخاف عليه من جلساء السوء و تتعمد سرد وصاياها التي كان يتذمر كلما ألقتها على مسامعه، قائلا لها في ضجر : لم أعد ذلك الصغير يا أماه فأنا أعرف جيدا مصلحتي فلا تعامليني كطفل، و كانت دائما ما ترد عليه في حنان: لن يهدأ لي بال إلا عندما تتزوج و أرى أطفالك يلعبون من حولي، فيبتسم لها و يطبع على جبينها و يديها قبلاته المعبرة عن وارف محبته لها.

لم يكن قبلها يأبه لقصف، لضحايا أو لغارات، كان جل اهتمامه منصب على نفسه و حياته الخاصة، هي كذلك كان جل اهتمامها هو ابنها و المخاوف و الهواجس عليه و على مستقبله و حياته، لكنها و هي تتأمله اليوم كأنما تراه لأول مرة.

لم يمض وقت طويل حينما غادرها إلى تلك الوجهة، ها هو اليوم يأتيها بعد غياب، ظل عندها أسبوع في نية إلى العودة لوجهته مجددا، كانت تتأمل في انبهار تصرفاته التي تنم عن رجل على قدر كبير من تحمل المسؤولية و رجولة لم تعهدها في ابنها المدلل، لاحظت كيف أصبح قلبه معلقا بالذكر و القرآن و الصلاة، كيف أصبح حديثه هادئا، موزونا تزينه عبارات الجهاد و الوطن، جميلة تلك اللحظات التي كان يسرد فيها لها عن جمال وقت البكرة و الأصيل و تسبيح المجاهدين و عن أيامهم في الجبهات، عن الإيثار، عن التضحيات، عن شدة البأس، عن دحر الأعداء، عن مفارقة إخوة لهم و سبقهم نحو الشهادة و شوقهم لملاقاتهم و نيل ما نالوه من الفضل، عن الألطاف و المعية الإلهية، عن الانتصارات العظيمة، عن طعم الحياة التي استساغها بالقرب من الله، كانت كلماته تطرق شغاف روحها و كأنها بلسم وضع على قلبها ليمحو عنه القلق و الكدر، كانت تتأمل ذلك البريق الذي يزين مقلتيه و ذلك النور الذي يخرج من شفتيه و تلك الشجاعة و القوة التي تنطق بها جوارحه، لم تشعر بطمأنينة تملأ كيانها كما هي اليوم، ها هي تشاهد ابنها يمتلأ إيمانا و شجاعة و رجولة كما كانت تتمنى.

مضت الفترة و حان موعد العودة، أدركت أنها الجبهات وحدها من تصنع رجالا و تبني وطنا، أدركت أنها وحدها الجبهات من تستطيع الاطمئنان على ابنها فيها، وحدها الجبهات من تستطيع تحمل فراق ابنها فيها و إن طال النوى، هناك يناجي ربه، هناك يطيعه، هناك يلتقي الرفقة الصالحة، و هناك يضيء القرآن و الذكر ساعاته، هناك يلقى من الشدائد و الصعاب ما يقوي عزيمته و يصنع رجولته و بأسه، و هناك فقط قد يظفر بأغلى وسام و يصل إلى أفضل حياة.

رتبت ملابسه و وضعت مصحفه في عناية، وضعت في حقيبته ما صنعت من كعك له و لرفقائه المجاهدين ، رأته و هو يتوشح بندقيته في شموخ و يرتدي بذلته العسكرية في بهاء، طالعته بنظرات الفخر و الإعجاب، ودعها و قبل رأسها و يديها و طلب منها المسامحة و ودعته بزخات من دعائها المليء بالحب و الحنان، تأملته و هو يغادر نحو ساحات الكرامة و الشرف و البطولة تملأها النشوة و الزهو بأن ابنها من صناع الانتصار لهذا الوطن، مرددة في نفسها: مع الله أيها المجاهد البطل، مع الله يا ولدي الغالي.

في الأربعاء 31 أكتوبر-تشرين الأول 2018 08:50:01 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=1165