شعر الأنشودة اليمنية الفصيح بين التأسيس التاريخي وجهادية الحاضر
حسن المرتضى
حسن المرتضى
شعر الأنشودة اليمنية الفصيح بين التأسيس التاريخي وجهادية الحاضر
حسن المرتضى

بعيدا عن جدلية تأسيس الشعر العربي برمته بين عرب الشمال الحجازيين وعرب الجنوب اليمانيين، فإن هناك قاعدة ذهبية وهي أن شعراء اليمن كادوا أن يأخذوا بديوان الشعر العربي حسب عمرو ابن العلاء صاحب أحد القراءات السبع، ويكفي أن دمون الحضرمية هي منبت أمير شعراء الجاهلية امرؤ القيس. وهذا ليس موضوعنا، موضوعنا هو الشعر الإنشادي الإسلامي وبصمة اليمانيين فيه منذ أنشودتهم الأشهر في التاريخ لاستقبال خير البشر (طلع البدر علينا) حتى نصل بالحديث عن الأنشودة في العصر الحاضر.

سأبدأ بطريقة تقشير البصل من الطبقة الأخيرة أي الحاضر حتى الوصول للنواة التأسيس، وهذا يعني أن أبدأ من حاضر شعر الأنشودة اليمنية وصولا إلى جذورها وتأثيرها.

شعر الأنشودة في العصر الحاضر:

إن كان هناك من اسم يُعنون شعر الأنشودة في العصر الحاضر عصر الجهاد فإن اسم الشاعر الشهيد السيد زيد علي مصلح هو العنوان الأبرز والذي لا يمكن أن يتخطاه أي دارس للأنشودة اليمنية وسمتها الأبرز هي الأنشودة الجهادية الغالبة في عصرنا.

 فهو أي (مصلح) مؤسس هذا النمط في اليمن على صعيد الفصحى وكل من جاء من بعده فهو من بركات الشهيد الشاعر المؤسس وسوف أفرد بإذن الله لشعر الأنشودة الجهادية اليمنية في العصر الحاضر مقالا كاملا وكذلك مقال للحن الإنشادي الجهادي المعاصر وكذلك للفرق وللأصوات الإنشادية الجهادية بما يليق بتوثيق المرحلة.

وعطفا على ذكر الأنشودة الجهادية الأصيلة في اليمن والشاعر الشهيد زيد على مصلح والشهيد محمد جابر ملفي الرزامي والشاعر الشهيد معاذ المتوكل وغيرهم، فإن هذا لا يعني أن سائر الحركات الأخرى كالوهابية والإخوان المسلمين لا يملكون شعرا جهاديا.

للإنصاف هم يملكون، ولكن شعر أناشيدهم الجهادية كان خدمة لأمريكا تجاه الاتحاد السوفييتي لإسقاط أفغانستان من يد الروس إلى يد الأمريكان وما طالبان والإخوان والوهابية إلا بيادق تحركهم الدولة الصانعة لهم بداية من بريطانيا صاحبة براءة اختراع الوهابية والإخوان القاعدة وداعش وربما يكون هذا النمط عندهم أقدم من نمط الشهيد الشاعر زيد على مصلح ورفاقه ولكن الوهابية والإخوان المسلمين استخدموا ظاهر الشعر الجهادي لأهداف الإمبريالية العالمية سواء كانوا يعلمون أو لا، وكذلك لخدمة مشروعهم السلفي أو الإخواني وليس للأمة ويقظتها وتوجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي للأمة الإسلامية أمريكا وإسرائيل ووجهوه فيما بعد في نحر الأمة الإسلامية وقتل كل من يخالفهم من المسلمين، ولهذا ذكرت الشعر الإنشادي اليمني الذي يحرك الأمة بوعي ولم أتطرق لشعرهم.

 مرحلة شعر الإحياء الإنشادي:

أما عن الفترة المتقدمة على تأسيس وانطلاق الشعر الإنشادي الجهادي اليمني الذي حرك الأمة كان هناك الشعر الإنشادي الإلهي والنبوي والقيمي الذي لا يشير البنان بقصب التأسيس له والإحياء والتجديد فيه إلا إلى الأستاذ الشاعر عبد الحفيظ الخزان وكذلك عبد السلام المأخذي وعبد الحميد المهدي وغيرهم وقصائد تراثية يمنية أو محاكية لها أو غير يمنية تم إحياؤها، وربما تتقارب وتتداخل الفترتان فترة الشعر الإحيائي النبوي والإلهي مع فترة الشعر الجهادي الذي حرك الأمة.

فترة عمالقة الشعر عموما وتراث الإنشاد:

وإذا عدنا إلى فترة أقدم فستصعد أمامنا أسماء من العيار الثقيل كجابر رزق والبرعي والهبل والصنعاني وابن علوان وابن هتيمل والسودي وابن شهاب وغيرهم من عمالقة الشعر اليمني ممن تقرأ قصائدهم منشدة في الموالد وفي الأعراس وفي العزاءات.

تأسيس شعر الموشحات اليمني:

 على أن بعض الدارسين يقول - وهي محل نظر وتدقيق - إن في اليمن نشأ شعر الموشحات أو ما عرف ب(الحميني والنوع الآخر الحكمي) وهو من أثر في صعود نجم الموشح الأندلسي وإنه كان متأثرا بالنمط اليمني على أن هذه الدراسة ذكرتها هنا فقط لعرضها ولا أتبناها؛ لأن ما ينبني عليها ذو أهمية بالغة فقد كشفت بعض الدراسات الحديثة أن شكسبير تأثر في طريقة كتابة سوناتاته بطريقة الموشح الأندلسي وعلى حسب الدراسة الآنفة الذكر فإن الفضل يعود في تأثر شكسبير للموشح الأندلسي الذي تأثر بالحميني وبالحكمي اليمني هذا إذا صح أن نشأة الحميني والحكمي تسبق الموشح الأندلسي وبفارق آخر أن الحميني من الشعر الشعبي المنشد والمغنى بينما الحكمي من الشعر الأقرب إلى الفصحى وهو كسابقه.

نعود إلى الأمور الثابتة عن شعر الإنشاد اليمني لا المختلف عليها..

وقبلها لا بد من توضيح نقطة معينة وهي معنى إنشاد الشعر وهو يعني في الأصل قراءة الشعر وروايته ثم مع مرور العصور أصبح مصطلح إنشاد الشعر حاليا كمجاز عرفي هو ترنيمه بالصوت العذب سواء دخلت عليه الآلات الموسيقية أو اكتفي بصوت أو أصوات من ينشدونه وينغمونه وموضوعنا هو الشعر الذي ينشده المنشد بصوته من كلمات الشاعر.

شعر الإنشاد في العصرين الأموي والعباسي:

وعند البحث وجدت هوة كبيرة في الكتابة والتوثيق عن شعر الإنشاد الديني في كل من العصر العباسي والأموي وصولا حتى صدر الإسلام إلا ما خلا من قصائد الكميت ودعبل والسيد الحميري وغيرهم من شعراء أهل البيت التي كانت تنال ذيوعا كبيرا ولم توضح الدراسات هل كانت تؤدى إلقاءً أم يمازجها لحن مصاحب.

 على أنه جدير بالذكر أن أكثر أئمة اليمن عليهم السلام كانوا قبل بدء المعارك مع الأعداء ينظمون قصائد يكون لها من الذيوع والشيوع ما يوازي الحرب النفسية ولم توضح الكتب والمراجع هل كانت تنشد في المحافل صوتا فقط أم أن لبعضها ألحانا يؤديها منشدون ومن أشهر الأئمة الذين كانوا يقومون ببدء جهادهم ضد الأعداء بقصائد كالإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين وكذلك الإمام عبد الله بن حمزة وصولا إلى الإمام أحمد حميد الدين وقد ذكرت الأسماء على سبيل المثال لا الحصر.

شعر الإنشاد في صدر الإسلام:

 ومن هنا يجرنا الحديث إلى أراجيز الحروب كالتي كان يقولها الشعراء الفرسان حينما يبرزون للقتال ويرتجزون في المعارك وأكثر الأمثلة عن معارك كخيبر وصفين والجمل وكربلاء وللشعراء اليمانيين أراجيز كثيرة وقصائد أيضا تحتاج لدراسة مفصلة وكبيرة ومن هنا يأتي السؤال هل تصنف هذه الأراجيز في صنف الشعر؟ والسؤال الثاني هل تعتبر هذه الأراجيز لأسلوب إلقائها الحماسي أو حتى الرثائي من صنف الشعر المنشد؟!

 كان العرب قديما يلحنون شعرهم وقت الكتابة أو حين يناجون إبلهم ويسمونها حداء، هنا تتداخل وتتقارب المفاهيم والمصطلحات وتصب كلها في أن الشعر يختلف عن النثر بأنه كله قابل للتلحين سواء ما نظم على البحور الستة عشر أو ما تم اشتقاقه من دوائرها العروضية في أوزان توليفية جديدة وهذا يعني أن كل الشعر العربي الموزون قابل للإنشاد ولكن المعنى هو من يحدد قلبه أما جهادي أو وجداني إلهي أو نبوي أو رثائي يصبغها بنكهة يحب السامع أن تجيء إليه بلحن مصاحب إما حماسي أو حزين حسب الموقف.

وما وثق التاريخ الإنشادي الإسلامي إلا مقطعين في صدر الإسلام والسؤال الأكبر يدور حولهما

وأقدم من ضرب (بالدف) عند ظهور الإسلام بالمدينة فتيات من بني النجار الأنصاريات، في استقبال الرسول صلوات الله عليه وآله عند قدومه مهاجراً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهن ينشدن:

نحن صبايا من بني النجار

يا حبذا محمداً من جار

وكذلك نشيد الإسلام الخالد للأنصار اليمانيين:

طلع الـبدر عليـنا   

مـن ثنيات الوداع

وجب الشكـر عليـنا   

مـا دعـا لله داع

أيها المبعوث فينا   

جئت بالأمر المطـاع

جئت شرفت المديـنة 

مرحباً يـا خير داع

 لماذا لم يرو التاريخ سواهما؟ ولماذا لم يذكر اسم شاعرها واسم من لحنها؟ وهل نشأ هذا النمط فجأة دون مخاض زمني؟ ولماذا تم إخفاؤه أو محاربته من بعد؟ ومن قام بمحاربته؟

ربما تم محاربة هذا النمط ولكنه لا زال موجودا في اليمن حتى الآن وإن بصورة الزامل الذي تقوله مجموعة بأكملها في استقبال مجموعة أخرى من القبائل بصوت جماعي مع حفظ اسم من قالها وكذلك ترد القبيلة الأخرى في نفس الوقت بنفس الوزن والقافية وهذا ما يؤكد أصالة هذا النوع ومنشؤه اليمني الأصيل وهذا المدخل ربما يدعم النظرية السابقة التي وردت عن عدة باحثين يمنيين بأن أصل الموشح الأندلسي هو يمني الأصل بنسخته التي من الشعر الشعبي الذي تطور إلى الحكمي ثم ذاع في الأندلس فصيحا وناشروه هناك ومطوروه كانوا من أصول يمانية وهذا يعني أن تأثير هذا النوع الإنشادي اليمني انتقل إلى أوروبا ثم تأثر به شكسبير في كتابة سوناتاته ثم أصبح نمطا يدعي الغرب أنهم من ابتكروه وهذا ليس صحيحا.


في السبت 15 فبراير-شباط 2020 07:59:11 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=2220