الشاعر إبراهيم الهمداني.. إبداع ضد العدوان
عفاف محمد
عفاف محمد

 

يعتبر الأدب العربي في عصره الذهبي نتاج حضارات عظيمة عانقت فلسفة اليونان وحكمة الهند وأدب الفرس ،وقد تأثر الأدب العربي بالصراعات المذهبية والسياسية واصطلى بنيرانها،وكان الشعر احد ابرز معالم الأدب وقد تأثر بعدة تيارات وانحرف الشعر في فترة ما كما حدث في خمريات النواسيين ومجونهم، ولكنه اهتدى حيناً على ايدي العلماء والنساك والزهاد والمتصوفة.


وقد مر الشعر العربي بمراحل شتى وجاء وقت على الشعر اصبح فيه مجرد صنعة متكلفة وزخارف لفظية، وهذا ما يحدث عندما ينعزل الشاعر عن أضواء الفكر والثقافة فيجد نفسه اسير الشكليات والمظاهر الجوفاء.


والشعر العربي القديم في الجاهلية والعصر الاموي كان قد استمد مادته الشعرية من الحياة مباشرة لذلك كان اصدق ما خلفه العرب، ونجد انه في العصر العباسي انحدر الشعر وتضعضع لأنه طغى على تلك الفترة التقليد وبات الشعراء حينها يستقون مادتهم من ذاكرتهم ومحفوظاتهم، وبذلك تحجرت فنون الشعر ومعانيه.


ويعتبر اجترار الشعراء لمعاني سابقيهم وتكرار ما سبق نظمه من نماذج الشعر العربي بعيداً جدا عن انتفاضة الوجدان الحقيقية التي يسمع لها رنين.
إن جئنا للأدب والشعر في اليمن نراه بالمثل تشكل حسب المؤثرات والظروف البيئية المحيطة قد ازدهر الشعر الثوري في فترة ما قبل ثورة السادس والعشرين وما بعدها حيث ارتفع الحس الثوري ووصل ذروته فصار الأحرار ينشدون الحرية ويبتغون عيشة كريمة مترجمين ذلك بقصائد ذات حس ثوري عميق كما فعل الزبيري والشامي وغيرهما من الشعراء الاحرار المتجددين الذين ترجموا حب الوطن الذي تستباح حرماته وكتبوا قصائد قوية تعبِّر عن حبهم وولائهم للوطن الذي يجري في نفوسهم، مجرى الدماء.


واليوم مع وجود عدوان خبيث ينتهك حرمات اليمن ويرتكب أبشع الجرائم في حق البشر والحجر نرى أن الثقافة القرآنية وقفت من الأدب موقفاً كريماً حيث هذبت الانفس التي كانت قد انشغلت بتوافه الأمور .


ونلاحظ أن شعراء هذه المرحلة اتسموا بالصدق العاطفي وروعة التصوير وابدعوا بشعر له طابع اصيل في الفن الشعري حيث ينبض بالحيوية ويزخر بالعاطفة الفطرية بأحاسيس ناطقة ومشاعر متدفقة.


وعُرف عن شعر هذه المرحلة انه شعر ملحمي يَنظم الوقائع الحربية ويتحدث عن المفاخر القومية، و قد تناول الشعر الجاهلي هذا اللون من الشعر حيث سجل العرب قديما معاركهم المشهورة كشعر عنترة بن شداد، وكذلك اشعار عديدة وردت في سيرة ابن هشام تمثل فتوحات المسلمين وغزواتهم ،وكذلك أشعار الشيعة التي تبكي مقتل الحسين عليه السلام واستشهاده .


وقد ترجم الشعراء اعمالهم حسب الواقع المعاش والظروف المحيطة، وقد برز الشعر الثائر الذي نطقت به احاسيسهم بحثاً عن الحرية ورفض الوصاية

.


وكما عودناكم اعزاءنا القراء نُطل من نافذة الشعر على روضة شاعر معاصر


وشاعرنا اليوم هو شاعر وأديب وكاتب سياسي ..


يكتب القصيدة الفصحى وله لون من الشعر الشعبي الحميني ويجيده كما يجيد الفصيح العمودي بأنفاس حارة تدين للوطن الغالي بالولاء والحب.


إنه كاتب وناقد وشاعر وفيلسوف ممن سبقوا دوماً إلى صدارة المشهد وممن تنهال عليهم الأوصاف والنعوت والجزالة ومتانة السبك ،والغوص وراء الأفكار والمعاني ،يقرأ قراءة الفاحص المتأمل الناقد ،وهو ممن يقال عنهم يمتلكون جينات شعرية ينفردون بها عن سواهم..


هو كاتب محترف وشاعر فنان وفيلسوف حصيف يمتلك أدوات من الكلمات القائمة بين الصوت والمخيلة بين النطق والإيحاء وكأنه ساحر.


يطغى المضمون الإسلامي على أعماله ،الكتابة هي حاضنة تطلعاته ومعاناته ، حاز على مكانة الفنان في المجتمع حيث حمل الوعي الفني والرؤية الاجتماعية الناضجة بالإحساس والقدرة ..


أقبل على عيون الشعر ..فاكتسب الكثير ترى في وجهه قوة إرادة وشدة شكيمة ،
واجه إعاقة جسدية دامت ثلاث سنوات ولم ينكسر او ينزوي عن العالم وأحداثه،
شاركت قصيدته في كل حدث ،وكانت له بصمات رائدة.


ومعاً نطوف في واحته الشعرية الخضيرة ..ونتفيأ ظلالها..


إليكم في حب محمد
بعنوان
(كعبة النور)
ويقول مطلعها
‏لمن به الله من بين الورى باهى
عوالمَ النورِ واستوصاهُ معناها
أسوق روحي له هديا… ويسبقني
إليه من تلبيات الشوقِ أشجاها
لبيك.. لبيك… والأصداء مترعةٌ
بك ابتهاجاً…وفاضت منك أصداها
لبيك.. لبيك.. يخضر الوجود بها
والكائنات إلى “لبيك” مسراها
“لبيك” والكون في “لبيك” محتشد
ونور “لبيك” في الآفاق يغشاها
وفيك “لبيك” معنى لا انتهاء له
يا سيد الخلق، يا أعلى الورى جاها
يا كلمةُ الله… يا “كن” في مشيئتهِ
يا رحمةُ اللهِ فاضت منك أرجاها
وآدمٌ إذ غوى كان الخلاص له
“ محمدٌ”… كلماتٌ قد تلقاها
له الملائكُ والأفلاكُ ساجدةٌ
ونورُهُ يمنح الأنوارَ معناها
بنوره إذ تجلّى الله…بُوركَ من
في النار… بُوركَ من بالنورِ ناداها
وباسمه الارضُ طوعاً والسماء أتتْ
وبشرَّتْ باسمه الأزمان نجواها
لنوره دانت الأكوانُ… ألهمها
فجورها اللهُ – إذ زاغت – وتقواها
تطهرت بالتولي أنفسٌ وزكتْ
طهراً …وفي حبه الرحمن زكاها
سرت بميلاده في الأرض رعشتُها
وفي السماء اخضلال زفَّ بشراها
وأشرقت بهجة في الكون تغمره
لبيك يا من به الرحمن كم باهى
“وبرحمته فبذلك فليفرحوا…” ابتهجتْ
به الخلائق واختارته مولاها
وفي هذه القصيدة حب وتوله وعشق لسيد الخلق وتتسم هذه القصيدة بتطور أغراضها الشعرية المتلونة ،وقد سكب ولاءه الصادق لرسول الله عليه افضل الصلاة والسلام وعلى آله الكرام ، ووصف المكارم والسجايا التي حاز عليها خير الورى، وقد تفرد بها لغة وأسلوباً، واتسمت ألفاظها بالقوة والسلاسة ووضوح الأسلوب و المعاني ومن ضمن قصائده البديعة آية النصر التي أهداها إلى روح السيد المجاهد الشهيد / إبراهيم بدرالدين الحوثي سلام الله عليه .
وتقول كلماتها :
سجد البيانُ لذكره إكراما
والحرف أخفضَ بوحَهُ إعظاما
والكون في حرم الكمال مهابةً
صمتاً يلوذُ… ويستلذُّ هياما
والبدرُ فيك اليوم عانقَ شمسَهُ
فمحى حضورُكَ يا (خليلُ) ظلاما
بك يا (ابن بدرالدين) تبتهج السما
حباً… وترجو في سماك مقاما
يا نهجَ طه… يا شجاعة حيدرٍ
يا كربلاءَ… تُجددُ الآلاما
يا صبر (صعدة).. يا شموخَ جبالِها
يا نصر (كهف) المعجزات تنامى
يا صدق وعدِ الله… درب شهادةٍ
لم تخش في ذات الإله ملاما
وبك التواضعُ أزهرتْ آثاره
في الناس تكسو جدبَهم إنعاما
وطنٌ يحدثُ عنك… تسردُ للورى
(بنيانُ) عن أسطورةٍ تتسامى
تحكي كريماً.. صادقاً.. متفانياً
شهماً.. عظيماً.. فارساً.. مقداما
حراً.. عزيزاً.. روحُهُ أنَفٌ بها
أن تحتوي جسداً له وعظاما
هو كان نبضُ الخيرٍ.. فيضُ مكارمٍ
يهمي.. ويغدقُ للسماء غماما
وهو (ابن بدرالدين) نبعُ هدايةٍ
يسري حكيماً.. فاضلاً وهماما
وهو الذي بالصدق صدَّقَ طائعا
وبعهدهِ وفَّى… وصان ذِماما
هو عاشق (الجبهات).. في إقدامه
بأس يُزلزلُ هولُهُ الإقداما
سيفٌ يطيرُ إلى الرؤس معانقاً
وبكأسهِ ذاقوا ردى وحِماما
فتراه يوم حصادهِ متهللاً
قد صار من شوق اللقاءِ حساما
***
نالتْهُ كفُّ الغدرِ… غلُّ صدورهم
شحذ العداءَ.. وراشَ منه سهاما
موتٌ تشظى… عالمٌ متوحشٌ
قذرٌ… تبنى فاجراً ولئاما
أضحى هنا الإنسانُ أتفهَ سلعةٍ
رقماً يُضيفُ لحزنه الأرقاما
تمضي تفاصيلُ الفجيعةِ مُرَّةٌ
وأنا أُعلِقُ في فمي استفهاما
من.. أين.. ماذا.. كم.. لماذا.. ما الذي
حرفٌ تشرَّدَ يطلبُ الإعجاما
ظنَّوا بقتلِكَ يقتلون محمداً
والمرتضى.. والحقَّ والإسلاما
ومسيرة القرآن.. والنورَ الذي
حَفِظَ الهدى والشَّرعَ والأحكاما
ورأوا (أبا جبريلَ) فيك.. تمثلتْ
أخلاقُهُ… فأحلوا الإحراما
ظنَّوا بقتلِكَ يسلَمون من الردى
يجنون نصراً… يهنأون مناما
فغدا انتصارُ الظالمين هزيمةً
ويقينُهم يستنجد الأوهاما
وتساقطوا خزياً.. تبدد جمعُهم
ذلاً… وما بلغ الطغاةُ مراما
مستنقعاتُ العارِ.. كلُّ رذيلةٍ
وتزيدُهم أحقادُهم أسقاما
يا كاتب التاريخِ.. أيُّ فضيلةٍ
تُرجى لقومٍ أدمنوا الإجراما
بل أيُّ مجدٍ للدعي… ولحمُهُ
نبتُ الحرامِ… ويستحلُّ حراما
***
يا سيدي عذراً.. بكيتُكَ نائحاً
عَظُمَ المصابُ.. وزلزل الأعلاما
أبكيك لا فقداً… لأنك بيننا
نهجٌ قويمٌ… بالخصال تسامى
ما زلتَ في (الجبهات) جيشاً قاهراً
أسداً هصوراً فاتكاً ضرغاما
ورفاقُكَ الأبطالُ فيكَ تجمعوا
وتقحَّموا بكم الخطوبَ جِساما
ساروا بدربك شامخين… وسطَّروا
نصراً… وشبُّوا في العدو ضِراما
بهم انتقام الله… إنَّ عذابَهم
ـ إن حلَّ بالأعداء ـ كان غراما
ولأنت في “بنيانَ” نبضُ شروقِها
وعطاؤها بك طاول الأجراما
ما زلتَ أنتَ الروحَ في بنيانها
لتفيضَ في أبنائها إلهاما
ما زلتَ في طول البلاد وعرضِها
تهب الجليل.. وتُبرئُ الأسقاما
تهمي حياة في القفارِ… وتبتني
في كل قلب ـ بالوفا ـ أقواما
*****
يا سيدي عذراً.. أتيتُكَ مادحا
وندبتُ عنك القاعدين قياما
عذراً لأن قصائدي مشلولةٌ
ومديحُ مثلُكَ يرهقُ الأقلاما
ماذا سأكتبُ؟.. أنت مجدٌ شاهقٌ
فيه القصائدُ لا تجوزُ كلاما
وهنا (أبو جبريلَ) نور مشيئةٍ
ولنوره شاء العظيمُ تماما
وقضى لنا علماً.. كريماً.. قائداً
ومجاهداً ومعلماً وإماما
يهدي لنور الله… يقضي حكمَه
يؤوي الغريبَ.. ويُكرِمُ الأرحاما
وعلى يديه يرى الطغاةُ زوالَهم
وعذابَهم حقاً… وكان لِزاما
فقفوا لمن شَرُفَ المقامُ بذكره
ومقامه فاق الورى إكراما
صلوا عليه ـ كما يليقُ ـ وآلِهِ
ولتنعموه محبةً وسلاما
وهنا يلمس المتلقي امتزاج روحه مع سيكلوجية الثقافة القرآنية ومفاهيمها وأعلامها
وتجد آثر القرآن واضحا في الفاظ قصيدته وتراكيبها.
وتجدده في الايقاع والوزن مع متانة أسلوبه ،وتحدث في قصائده عن جرائم العدوان التي منها :
وتمخضت من أعماله العديد من الدراسات والبحوث القيمة التي تعكس حجم ثقافته ،وحسن أدائه ،وقد اتقن هذا المبدع النقد الأدبي الهادف لتطوير القصيدة والبحث في مناقبها ،واستمر في ضخ أعماله رغم إعاقته ولم يضعف عزمه وظل من مترسه في الميدان الثقافي.
لم يقل دوره عن المجاهدين العظماء في متارسهم بساحات النزال بل ناضل بكلمته من أجل إيصال مظلومية شعبه لكافة ارجاء العالم وافتخر بانتصارات رجال الله ورصد معظم خطواتهم في أعمال ذات طابع أدبي متميز ،ومن اعماله ما هو متعلق ببناء الإنسان ،مثل دراسته التي عنونها بـ “بناء الإنسان قبل بناء الأوطان “.
كذلك له سلسلة بعنوان “الحرب السعودية على اليمن “ وفيها تحدث عن محطات هامة في هذه الحرب العبثية والشرسة على اليمن ارضاً وإنسانا بأسلوب في غاية في الروعة والدقة والإتقان ،كذلك عنون إحدى كتاباته بـ “الكتابة والسياسية بين الترف والضرورة “ وتحدث فيها عن الاختلاف بين المثقف والسياسي ودعم كتابته تلك بتجارب حية من الواقع المعاش ،كدلالات واضحة على دراسته تلك ،كان ممن رصدوا تحركات العدوان وصاغوها بعدة أشكال منها ما كتبه بعنوان “ما أشبه الليلة بالبارحة “ وكتب كتابات سياسية عديدة لا تخلو من السخرية والتهكم ،وضخ مفاهيم وطنية وقومية منها ما يتعلق بقضية فلسطين المركزية ،وقضايا اخرى للمقاومة الإسلامية ،كذلك قام بكتابة قراءات لنصوص شعرية معاصرة ذاع صيتها وانتشرت كما النار في الهشيم.
عسى أن أكون أعطيت هذا الشاعر الفذ بعض حقه وعذراً عن عدم استطاعتي إعطاءه كل حقه.


في الإثنين 16 مارس - آذار 2020 08:43:53 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=2326