الحسين ثائراً
أنس القاضي
أنس القاضي

الإمام الحسين فداء الإسلام، سيف الحق والعدل والتوحيد، ضمير الإنسانية الثائرة في وجه الطغيان… كربلاء جرح لا يُضمده الزمان ونزيف الإنسان المقهور… وعاشوراء اليوم في كل بلاد عربية تواجه ظلم الاستعمار الأمريكي الصهيوني ودويلات النفط الرجعية. يا ذكرى عاشوراء الحزن الثورة، مازلنا على العهد حسينيين!

«مذ أبيتَ يبايعك الدهر

وارتاب في نفسه الموت مما يراك بكل شهيد…

إننا في زمانٍ يزيدٍ

كثير الفروع

وفي كل فرع لنا كربلاء».

بهذه الكلمات خاطب الشاعر العربي الكبير مظفر النواب الحسين شهيد كربلاء. تجاوز الحسين حدود الحادثة التاريخية في أرض كربلاء، وأصبح رمزاً للبطولة والتضحية والفداء.

فجرت ثورة الحسين عشرات الثورات في زمانه ومازالت حتى اليوم، رغم استشهاد الإمام الحسين في كربلاء وانتهاء أمره كفرد وجسد، إلا أنه استمر حيا كمبادئ وقيم، وهو ما جعل قضيته حية حتى اليوم، فيما طويت صفحة أعدائه وإن ذُكروا، كيزيد والشِّمر، فإن ذكرهم مقرون به ذكر الإمام الحسين، ولا يأتي ذكرهم إلّا في سياق ذمهم كمجرمين ومنحطين.

جسد الإمام الحسين أعظم الأمثلة على الصمود في موقف الحق. لقد كانت الإنسانية في حاجة إلى نموذج يُجسد الصلابة في التمسك بالحق والدفاع عنه حتى آخر قطرة دم. رسخ الإمام الحسين باستشهاده نهجاً للأحرار الثوريين، نهج الدفاع عن الحق والفداء والتضحية ورفض التراجع والمساومات.

خط الإمام الحسين أثراً بالغاً في التاريخ الإنساني والتراث الإسلامي، فمن مقامه الديني كإمام من آل بيت رسول الله، عمد الإمام الحسين بدمه مبدأ الثورة والخروج على الحاكم الظالم، والدفاع عن الحق والعدل حتى الشهادة، كمسؤولية إيمانية إسلامية وأخلاقية وإنسانية. الإمام الحسين هو الصفحة المشرقة في التاريخ الإسلامي. ومثلت واقعة كربلاء العظيمة نسفاً لكل التبريرات الدينية لطاعة الحاكم الظالم. واقعة كربلاء مرافعة تاريخية عن جوهر الرسالة الإسلامية، فليس من دين الإسلام قبول الظلم وقهر الإنسان.

مثل الإمام الحسين في تدينه وجهاده امتدادا أصيلاً للرسالة الإسلامية المحمدية. حافظ بتضحيته على الجانب المشرق من الدين الإسلامي. حارب دفاعاً عن دين حرية الإنسان وإخلاص العبودية لله، في مواجهة نسخة مشوهة من الإسلام تمثل مصالح السلطان وأرباب المال. لقد كان دفاع الإمام الحسين عن الإسلام وإصلاح واقع الأمة نبذاً جديداً للجاهلية التي عادت للحكم عبر معاوية وبني أمية.

كان خروج الإمام الحسين على الطاغية يزيد واجباً دينياً ومسؤولية إنسانية. وتبلور الصراع كتناقض حاد بين توجهين: توجه استعبادي استغلالي مثله يزيد، وتوجه تحرري عادل مثله الإمام الحسين.

فرض يزيد على كثير من المسلمين مبايعته على أنهم عبيد أقنان مملوكون له. كان يزيد بن معاوية القائم على رأس الدولة الإسلامية آنذاك، مستبداً ظالماً، روي عنه شعر كفري قال فيه: «لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاء ولا وحي نزل». وفي واقعة «الحَرة» أباح مدينة رسول الله ونساءها لجنوده ثلاثة أيام ينهبون ويغتصبون ويقتلون من يريدون، كما أمر بتصفية كل صحابي شارك مع رسول الله في غزوة بدر، ثأراً لقتلى المشركين. وفي واقعة أخرى قام جنود الطاغية يزيد بقصف الكعبة المشرفة بالمنجنيق وإحراقها. وفي مواجهة هذا الظلم والإجرام خرج الإمام الحسين مُصلحاً ومنقذاً، مخاطباً المسلمين: «أيها الناس، إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».

مجاهرة يزيد بالكفر وارتداده عن الدين الإسلامي، لم تكن مسألة شخصيةً، بل شأناً عاماً يهم كل المسلمين. كان يزيد يقود عملية انقلاب جذرية على المضامين الإسلامية، حتى يتسنى له استعباد الناس وظلمهم وأكل حقوقهم وانتهاك حرماتهم. لقد كان دفاع الإمام الحسين عن الإسلام في مواجهة الانقلاب الأموي دفاعاً عن نهج الرسالة الإلهية التي جاءت لتحرير الناس من العبودية، وللأمر بالعدل والإحسان وإتمام مكارم الأخلاق.

الدم الحسيني المتدفق في كربلاء هو الذي ثبَّت وجود الإسلام المحمدي بمبادئه الإلهية والإنسانية السامية، ولولا ثورة الإمام الحسين وتضحية صحبه وشيعته لما وصل إلينا من الإسلام إلا دين السلطان، المرسوم وفق أهواء ومصالح المستكبرين.

بعد رفضه تقديم البيعة للطاغية يزيد، وتمسكه بشرف الكلمة، وجد الإمام الحسين نفسه أمام امتحان صعب، خلده الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الشعرية «الحسين ثائراً». يقول الإمام الحسين وقد اختلى عند قبر رسول الله: «أنا إن بايعت للفاجر كي تسلم رأسي، أو لكي يسلم غيري، لكفرت، ولخالفتك فيما جئت للناس به من عند ربك. وإذا لم أعطه البيعة عن كره قُتلت. وإذا عشت هنا كي أحشد الناس عليه خاض من حولك نهراً من دماء الأبرياء. موقف ما امتحن به المؤمن من قبل أو سيق إنسان إليه، امتحان كامتحان الأنبياء! أترى أمنحه بيعة ذل، بعدها آمن في بيتي وأهلي مثل شاة في قطيع!! ثم أسقي الناس خمر المذلة الممزوجة بالذلة في كأس بديعة من ذهب؟! أم ترى أجهر بالثورة في وجه الطغاة، لا أبالي بالذي يحدث منهم، إذ يجدّون ورائي في الطلب، مستخفاً بالحياة، حياتي وحياة المسلمين الآخرين؟! موقف ما امتحن به المؤمن من قبل أو سيق إنسان إليه، امتحان كامتحان الأنبياء».

اختار الإمام الحسين موقف التضحية، ورفض الذل. العظمة التي قدمها الإمام الحسين ليس لها نظير في التاريخ الإنساني. اختار طريق التضحية، عالماً بمصيره. وكان يستطيع في أي لحظة أن يتوقف عن القرار ويعود غانماً من عند يزيد؛ ولكن ذليلاً.

موقف التضحية هذا خزان وقود ثوري يُلهم البشرية على مر العصور، اعتصره الحسين من إيمان عميق بعدالة القضية، ومن الانحياز الكامل إلى جمهور الفقراء والمحرومين والمستضعفين. انحياز الإمام الحسين الإيماني والاجتماعي هو ما يُرعب الطغاة.


في الثلاثاء 01 سبتمبر-أيلول 2020 07:44:12 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=2826