هل هناك خلاف سعودي إماراتي في جنوب اليمن.. وأين يقف هادي منه؟
طالب الحسني
طالب الحسني

السعودية والإمارات نزلا من على شجرة الطموحات والأحلام في اليمن ووضعوا رؤسهم تحت ” اتفاق الرياض ” ثم صورا هذا الاتفاق كما لو انه منجز عظيم واسطوري وغير مسبوق.

لكنهم منذ سنة ونصف يحصدون خيبات بالجملة حتى من هذا الاتفاق الملغوم بعدم الثقة وبالأجندات التي حشرت فيه ، فكل طرف يريد أن يحقق جزء مما بقي من مكاسبه من هذا الاتفاق ، ولهذا نرى هذا التكديس للفشل المتراكم .

العقلاء ادركوا من وقت مبكر ان الاتفاق ذاهب إلى الفشل لكثير من الأسباب من بينها أنه يقوم على جمع الاضداد وتلحيم المتناقضات ، والاتفاق نفسه هو عبارة عن تجميع المتردية والنطيحة والكسيرة وما اكل السبع ، دققوا في الشخصيات والعناصر والوجوه في هذا الكوم من الكيانات في الطرفين ، الانتقالي هو خليط المجندين الجدد المحسوبين بطريقة أو بأخرى على ” القضية الجنوبية ” مضاف إليهم جناح سلفي على الطريقة الاماراتية ، في المقابل جماعة هادي وحزب الاصلاح إخوان اليمن مجموعة من السياسيين الهاربين من العاصمة صنعاء والمحافظات الجنوبية منذ 2014 ومعهم جناحهم العسكري وهو الأهم مع ما مني به من هزائم عسكرية متلاحقة .

النكسة الجديدة التي يتعرض لها اتفاق الرياض ، بدأت على خلفية تعيين هادي لأحمد عبيد بن دغر وبعض الأسماء في مجلس الشورى المقيم في الرياض ، وهي تركيبة صورية لا قيمة لها ،وكل التمثيل خارج خارطة اليمن لا معنى له ، وبسبب هذا التعيين سخطت الامارات لان ابن دغر مغضوب عليه اماراتيا وهي التي قلعته من رئاسة الوزراء بسبب أحداث سقطرى 2018.

تعيين ابن دغر اعتبر خروج عن اتفاق الرياض ، هكذا فهم الانتقالي الذي اصدر بدوره بيان اعتبره انقلابا على الاتفاق ، وهذا النقد اخرج ايضا السخط الموجود لدى بعض الأحزاب التابعة للتحالف الذي تقوده السعودية ، فاصدر الاشتراكي والناصري ايضا مواقف مشابه أعلن فيه رفضه للتعيين ، والغريب ان من يعتبرون انفسهم جناح مؤتمري ايضا ، هذا القسم الملحق بالامارات انتقد هو الآخر رغم أن بن دغر محسوب على ا المؤتمر ، والحقيقة لم نعد نعرف كم الغرف و الأجنحة والاقسام التي توزعت هذه الاحزاب عليها بسبب الصراعات البينية وتضارب الاجندات السعودية والاماراتية.

كل هذا ليس جديد ولكنه يؤكد على امر مهم كلنا ومازلنا نقوله وباستمرار وهو أن اتفاق الرياض اتفاق قسري ، أرغمت عليه كل الأطراف ووقعته تحت الإكراه لإخراج السعودية والإمارات من تبعات النقد اللاذع والمساءلة الدائمة من الرأي العام الدولي ، والعربي والداخلي والخروج ايضا من التكلفة السياسية وتبعات الفشل في اليمن.

اتفاق الرياض الذي وقع قبل ما يقارب 14 شهر وكان مزمن ، وقع قبل اجراء اي جسور لبناء الثقة بين تياري التحالف بشقيه السعودي والإماراتي ، لدرجة أن كل الاجتماعات التي تعقد بين هولاء على الرغم من وجودهم في الرياض وأبوظبي وطول الفترة التي يقضونها هناك عقدت بصورة متباعدة وفي غرق منفردة ولم يلتقوا في غرفة واحدة ، حتى هذه اللحظة لم يتحاوروا وجها لوجه ، هذا جانب ، الجانب الاخر ان كل طرف يفهم الاتفاق كما يريد وكما يريد ان يقدم ذلك لأتباعه حتى يبقيهم في وهم .

الغريب والمعيب والكارثة أن جميعهم مقتنعون ان اي اتفاق برعاية سعودية او اماراتية تجبرهم هذه العواصم على التعامل معه كبديل للدستور ، تماما كما حدث مع المبادرة الخليجية 2012 التي جرت إلى أحداث لا تزال تداعياتها باقية حتى الآن لانها اختزلت ارادة الشعب اليمني في التغيير عام 2011 في اتفاقية تقاسم للسلطة وهذا لم يكن مبدا الثورة الوطنية ولا طموحها ، ولهذا أرادت السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والدول العشر التي سميت بالدول الراعية للمبادرة أن تفرضها على اليمن واليمنيين باعتبارها مرجعية ، وهي تدخل سافر وغير أخلاقي في الشؤون اليمنية .

نعم هناك دول تقدم مبادرات لوضع حلول لبعض المشاكل التي تطرأ في دولة معينة ، ولكن يتم العمل بهذه المبادرات في اطر مؤقتة ومحدودة ومن ثم تعود الأطراف للعمل بالدستور والتشريعات المحلية المتفق عليها ، المبادرة الخليجية واتفاق الرياض يريدون تحويل هذه الاتفاقيات التي هي أساسا مزمنة ، إلى دستور ، المبادرة الخليجية مثلا وقفت العمل بالدستور اليمني طوال 2012و 2013 ، لا بل وجمدت مهام البرلمان ، المنتخب ، وفرضت رئيس بانتخابات شكلية.

نعود لاتفاق الرياض والخيبات التي بدأت تظهر بشكل كبير على الواقع السياسي والعسكري بالنسبة لهذه الأطراف وقد تؤدي إلى عودة المواجهات ، هناك تفسيرات متعددة للاتفاق ، مثلما اشرنا كل طرف يفسرها كما يريد ، ومثلما يريد ان يقنع أتباعه الذين يخدعهم ويبيع لهم وهم ، الانتقالي متمسك ببقاء المجموعات المسلحة التابعة له والتي أسستها الامارات ، مثل الاحزمة الأمنية والنخب ، وهؤلاء معسكرات الإمارات ولا يمكن ان تقوم بحلهم لمجرد اتفاق ، فهي تحتاجهم باعتبارهم مشروعها المستقبلي في المحافظات الجنوبية اليمنية ، وهم مكسبها الوحيد ، السعودية ايضا تريد ان تستبقي جزء كبير منهم لأنها لا تثق كثيرا بنجاح اتفاق الرياض على الرغم انها تريد ان ينجح لتخرج من المازق ، ولهذا فاتباع هادي والاصلاح يفهمون الاتفاق على انه مقدمة لسحق الانتقالي ، وهم مصرون على تجريدهم من السلاح اولا ودمجهم ضمن كيانها العسكري والامني ، ولهذا هناك تباين في فهم الاتفاق وفهم تطبيقاته وفيه مساحة كبيرة للتلاعب بالتنفيذ العملي .

التفسيرات المتباينة هي انعكاس للخلاف ، وانعكاس أن السعودية أقنعت كل طرف على حدة أن الاتفاق لصالحه وانه يجب ان يمضوا في الاتفاق المهم صوريا حتى ، وهذا دليل واضح على ان السعودية والامارات كانوا في ازمة حقيقة ويجب ان يقطعوا أي خطوة في تجميع ادواتهم على اتفاق يفسر بكل الطرق ، ومن هنا فإن مصير حكومة ( محمد ال جابر )، مجهول ، فهي أمام طريقين فقط ، ان يبقوا في قصر المعاشقين ( يشربوا قهوة وشاي ) دون ان يعملوا ، او ان يعودا إلى الرياض مرة اخرى وهذا متوقع بدرجة كبيرة نظرا للخلافات والمخاوف الأمنية فهم أشبه بالذين وضعوا في حبس ومعتقل إلزامي ، خاصة أن التفجيرات التي تشهدها عدن لا تتوقف ، هناك تفسير ثالث ورابع وخامس وهلم جر.

هل هناك خلاف سعودي إماراتي في جنوب اليمن ؟

نعم ، وخلاف عميق وبدأ يخرج من السر إلى العلن ، البعض يعتقد انه مجرد تبادل ادوار وهذا غير صحيح وإن حصل في بعض الحالات وبعض المناطق ، مثلما هو الحال في حضرموت وسقطرى والمهرة ، لكن حتى تبادل الأدوار في هذه المناطق هو يأتي ضمن تسويات للتقليل من الخلاف والنزاع ، وإلا فإن الإمارات لديها مشروع مختلف تماما عن السعودية ومنافس لها بما في ذلك أنها تقدم نفسها الامريكي والاسرائيلي عن أنها بديل للسعودية وأن تركيزها على اختطاف السواحل وإطلالات على البحر العربي والأحمر أحد المميزات .

مع هذا الواقع والمقاربات الدولية الجديدة بما في ذلك إدارة بايدن ، لم يعد المجتمع الدولي يتحدث عن ” شرعية ” هادي المزعومة وكيانه وحكومته فضلا عن الحديث عن امكانية عودته إلى صنعاء ، لم يعد أحد يستحضر ذلك حتى في النقاشات العادية ، ومن الملفت في هذا الإطار تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن عندما يقول أن ، أنصار الله الحوثيين ، وعمليا حكومة العاصمة صنعاء تدير 80% من سكان الجمهورية اليمنية ، وهذا أحد المؤشرات على التسليم بالأمر الواقع في اليمن مع فشل المسار العسكري والسياسي للتحالف .

اذا: المقاربات الجديدة تتجه لتعزيز فكرة اليمن الجديد مقابل السعودية التي عجزت عن تغيير الواقع مع كل الدعم العسكري الامريكي المفتوح ، وأن مهمة ادارة بايدن هي حماية السعودية من الهجمات اليمنية وليس مساعدتها في إعادة عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء ، ومن المفارقات أن تجميد الولايات المتحدة الأمريكية لصفقات السلاح للإمارات والسعودية سيزيد من تأكيد هذا الواقع ودون أفق لأي حل عسكري مستقبلا .

* المصدر : رأي اليوم


في الجمعة 29 يناير-كانون الثاني 2021 09:58:21 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=3337