الشهيد أبوحسن المداني: أنموذج .. لصانعي التاريخ وحملة المشروع
علي جاحز
علي جاحز


كل ما نراه ونشاهده ونلمسه من انجازات ونجاحات من حولنا لم يتحقق صدفة ولا بالتمني، بل يقف وراءه رجال وعقول وجهود وعزائم وهمم وتضحيات تضافرت في صناعته .
**
هذا هو حال نجاح ثورتنا واستمرار مسيرتنا القرآنية في المضي نحو تحقيق الهدف الاسمى الذي تنشده البشرية وتحث عليه التوجيهات الالهية ، لم نكن لنصل الى ما وصلنا اليه اليوم لولا وجود رجال صنعوا هذا التاريخ الذي يؤرشف يوميا في ذاكرة الوقت .
**
ولعل من بين اولئك الرجال الكثيرين طبعا والعظماء الشهيد ابو الحسن طه المداني ، الذي كان له بصمَتَه في صناعة ملامح التاريخ الذي نعيش فصوله وحكاياته اليوم .
**
طه المداني هو انموذج ناصع من بين نماذج كثيرة فضلت البقاء خلف الاضواء وهي تصنع ما نراه امام الاضواء وما لا نراه ايضا ، وهو مثال للشاب الذي اختار ان يسخر شبابه وعنفوانه في النهوض بأهم مشروع يتحرك على ظهر البسيطة هذه الايام ، وليس ترفا او للاستهلاك ما سأقوله هنا عن هذه القامة البطولية الفريدة والنادرة ، بل انه سيظل قليلا بحقه وبما مثله وسيظل يمثله من معان على مستوى التضحية والاخلاص والوعي والنباهة والعنفوان والقيادة والشجاعة والعبقرية .... الخ.
**
وبين هذه الاحداث المهولة التي يعيشها وطننا وامتنا وشعبنا وشعوب المنطقة ، يبقى الحديث عن الشهداء ومعاني الشهادة واهميتها في مواجهة ما نتعرض له من طغيان وعدوان وقتل وتجويع وتشريد وانتهاك للحرمات ، هو حديث محوري وليس عابرا او هامشيا ، بكون المواجهة والتصدي والصمود امور لا تنجح الا بتكريس وعي الشهادة ودلالاتها في نفوس المجتمعات .
**
ولاننا في اليمن خصوصا نمتلك الوعي الكافي والعالي بأهمية الشهادة وبفاعلية العشق للتضحية ، فإننا قدمنا قوافل من الشهداء العظام ، ولايمكن باي حال مقارنة ما يقدمه المرتزقة والمعتدين بما نقدمه لا كيفا ولا نوعا ، لماذا ؟ لاننا كجبهة مواجهة وتصدي نقدس الشهادة ونقدس الشهداء ونفخر ونباهي ، وحين يتقدم ابطالنا في ميدان الفداء لا يضعون انفسهم في ترتيبات تمايزية بين مقاتل رخيص ومقاتل ثمين ، بل يتقدم الجبهات ويستشهد خيرة الرجال سواء من القادة ومن الجنود من الصغار والكبار .
**
ولعل ابوحسن المداني القائد الذي لم يشق له غبار ، انموذجا على القائد الذي قدم نفسه قبل الجميع في ميدان التضحية والفداء وكان الاول في مضمار السباق لاجل الحرية والكرامة والانعتاق شغوفا بان ينال شرف النصر او الشهادة ، وقد جمع بين نيل النصر وشاهد النصر في اكثر من مرحلة وكان في مقدمة صانعيه ، وبين نيل الشهادة ايضا ، بكونها منحة الهية لا تعطى الا بقرار الهي لمن اصطفاه الله واختاره ان يكافئه .
**
من يعيش لاجل هدف لا يمكن ان يرى شيئا اثمن من تحقيق الهدف حتى ولو كانت اسرته ومعيشته وطموحاته واحلامه وحتى روحه ودمه ، وحين نستقرئ سيرة اللواء طه المداني ابو حسن التي لا يعرفها الكثيرون ، سنجد في مفاصلها يتجسد ذلك الشاب الذي كان هدفه ومنتهى امله الانتصار للمبدأ وللمشروع ومقارعة الطغاة والمستكبرين الذين يتحركون ضمن مشروع الشيطان بكل مكائده وخطورته واجرامه ، ليضع حياته وطموحاته على هامش اهتماماته برغم ان اي شاب طبيعي يضعها ضمن اولوياته ، حتى فرحة زفافه ومقتضياتها لم تكن تشكل له اي معنى امام اهتماماته الكبرى العظيمة .
**
عمالقة المسيرة القرآنية الذين هو احدهم ، لهم مواصفات وصفات ومواقف واسبقية ، فهم سباقون في نصرة المشروع القرآني وهو في مهده في وقت كان الناس لايزالون بين مستغرب ومتوجس ومبغض ومحارب ، في وقت كان العالم كله يخطط لدفن منبع الضوء الذي بدأ يسرب اشعته من جبال مران لتصل الرعشة والهلع الى واشنطن..
**
واشنطن التي سرعان ما وجهت باعلان الحرب الهوجاء وحشد الامكانات العسكرية لمواجهة ذلك الضوء القادم من الشمال اليمني ، كانت بنظر المشروع القرآني الشيطان الذي يعكر صفو العالم ويقف بوجه احلال الحق والعدل والسلام ، وكان ابوحسن واحدا ممن هبوا لنصرة المشروع القرآني وهم يعون انهم يواجهون امريكا عبر ادواتها واياديها ، وانهم سيواجهونها يوما ما وجها لوجه .
**
وبالفعل كان الشهيد اللواء طه المداني ابوالحسن ، من اوائل من ذهبوا الى جبهات المواجهة مع الشيطان وجنوده واياديه التي تمثلت في العدوان السعودي الامريكي ، ولم يكن ابدا ممن قعدوا يتهافتون على فتات المكاسب والمناصب في الدولة رغم انه عين مشرفا للجان الامنية وعضوا في اللجنة الامنية العليا ، الا ان ذلك لم يكن يمثل له سوى تكليف ولا يتعارض البتة مع واجب المبادرة الى مقدمة الجبهات ..
**
في كل ما يمكن ان نقرأه ونسمعه من سيرة شهيد القضية والمبدأ والمشروع ابوحسن ، دروس وعبر تستفزنا جميعا لنقتدي بها ، سواء في معنى بيع النفس بشبابها وعنفوانها وامكاناتها وقوتها وطموحاتها ، او في معنى الايمان العميق والرباني بالمشروع والقضية التي يسعى في احقاقها ونصرتها ..
**
لم يعرف عنه الناس الكثير، لكن اسمه المقترن بالنضال والبطولة التي جسدتها شخصيته وشخصية شقيقه ابوحسين يوسف المداني ، بكونهما علمان كبيران من اعلام المسيرة القرآنية ومثالان عظيمان من امثلة القادة الاقوياء الناجحين المخلصين الصادقين في كل مسيرة حياتهما ، بل واصبحا رمزين من رموز الثورة التي اسقطت نظام العمالة والوصاية والطغيان ولايزالان .
**
قد اكذب عليكم حين اقول انني كنت اعرفه ، لم اعرفه سوى مرة واحدة حين التقيته في القصر الجمهوري اثناء الاعلان الدستوري ، وحينها سلمت عليه وكان الشهيد الخيواني ثالثنا وعرفني به وعرفه بي ، وتفاجأت حين قال بابتسامة مليئة بالنقاء والتواضع :" نعم صحفي معروف وهل يخفى القمر " .
**
من بعد ذلك اللقاء القصير الذي لم يتجاوز الثواني سمعت عنه وعن بطولاته الكثير ممن عرفوه وممن سمعو عنه ، وظلت شخصيته حاضرة في ذهني وفي ذهن الوقت حتى جاء خبر استشهاده في مواجهة العدوان وهو يقود جبهته في المقدمة غير بخيل بروحه وبدمه ، بل قدمها بروحية المؤمن بقضيته وبمشروعه الذي استقاه من المنبع .
**
سلام الله على الشهيد اللواء طه المداني ابوحسن وعلى رفاقه شهداء الوطن والقضية المنصورة ، وبدمائه ودماء الشهداء سننتصر بإذن الله .

في الثلاثاء 14 فبراير-شباط 2017 08:30:24 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=365