الشاعر وليد الحسام «قارئ الأبجدية»
يحيى اليازلي
يحيى اليازلي
في قصيدة «قارئ الأبجدية»، يستهل الشاعر وليد الحسام قراءة طالع الراهن العالمي، لا كقارئة الفنجان، ولكن كعارف يستنطق أبجدية التاريخ ويصل خيوطاً تؤدي إلى كشف أقنعة الأزمنة التي مرت بالمنطقة العربية والعالم، كأشباح مثقلة الأثداء نحسبها عارضاً ممطراً، فنرى ألا فروق بين زمن خيول محركات الزيت، وزمن خيول الكميت. وكالسحر يلوح «قارئ الأبجدية» يضم هذه القصيدة إلى جناحه سوداء فتخرج في الأذهان بيضاء.
وللوهلة الأولى يأخذك العنوان إلى أجواء الكهانة وتستحضر طقوس قارئي الكف، وفي أرجاء المكان يتطاير الدخان، وبين الفينة والفينة ينثر هذا العارف الكلمات على موقد الشعر، وفي خضم هذا الترف الأسطوري تتهاوى عفاريت القصيدة محدثة التماعات على إثر انقداح حوافر حروف بقواف معقوفة، وكأنها التماعات البروق، وفي أثناء ذلك يقف الشاعر الحسام فينثر عبق الخبايا في أرجاء المكان.          
''قال لي قارئُ الأبجديّة
هكذا كانتِ الجاهليّة''... قارئ الأبجدية ذلك الذي يعرف الأحداث، بداياتها ومجرياتها.
''هكذا كان ليلُ البغايا 
يُشعلُ الفتنةَ العالميّة''. تجار ذوات الرايات الحمر والنخاسة بالأمس، كتجار الجنس والأعضاء البشرية ومالكي شبكات الدعارة، بأفعالهم المتشابهة مع تغيير في التسميات والأشكال إلا أنهم يعملون بنفس الآلية والنفسية، وأفعالهم تلك التي تتكرر في كل زمن هي سبب اشتعال الحروب في العالم لأنهم يجدون في الحروب فرصا لممارسة أفعالهم القذرة، في المجتمعات لإفسادها أخلاقياً، ويجدون مجالا لتسويق وجني أرباحهم.
''هكذا كانَ خُبثُ النوايا''، هذه القصيدة بدت كمرآة في يد قارئ الأبجدية تعكس الأحداث وصانعيها وبدقة عالية وتنفذ أبعادها النفسية والفلسفية إلى أغوار الآدمية، وتقرأ تحت وسائطها الفنية شخصيات الطغاة بالمعنى الشيطاني في مختلف مواقعهم في المجتمع ويفند أدوارهم الآثمة وجوانبهم الشريرة، ويحملون نفسية أبي جهل وحمالة الحطب، عملهم الأساسي إشعال الفتن.
''يوقدُ النّارَ في الآدميّة''.
والحروفُ العَرَايا كصمتي، ما ينقله «قارئ الأبجدية» في مرآته، عن كل ذلك العري المتكررة مشاهده في الأزمنة، والأشبه خاصة بزمننا، الذي يدّعي التحضُّر وتبنّي قضايا حقوق الإنسان والمجتمعات والحريات والأديان. كل ذلك يكاد يأخذ خيالك ومحاولتك التفنن في التعبير، ويلزمك الكلمات الصامتة ذاتها.
''تَخْطِفُ الفكرةَ الشاعريّة''.
''قال لي: والدموعُ الثكالى''. ثم يسلسل بشاعرية المنتحب الصور الحسية والشعرية المؤثرة، في تداعيات مقنعة مهضومة رغم فارق حدوثها لكنها تبدو كخيط عسل متصل من جرة واحدة. عسل الشعر المتخلق من مرارة الحوادث. إنه كعسل النحل البري الوحشي يجمعه الشاعر من برية أجباح قارئ أبجدية في خيالات هواجسه. 
''لمْ تزلْ آيةَ المجدَليّة''. وتأتي آية المجدلية في سياق سيل من الصور المحشدة القاصدة بيان حقائق تاريخية الدين السياسي في كل مرة، يتكشف انتماؤه للإمبريالية الشيطانية، الممتدة في عدة صور، آخرها الإمبريالية الآنية، التي تتزعمها هيئة الأمم، وهدفها احتلال المجتمعات الإنسانية، بدعوى الإنسانية! مفارقة عجيبة، والاستعباد بدعوى التحرر... وتحتل المجدلية في هذا النص مكاناً مهماً للدلالة على إنسانية جاهدة لحياة طاهرة كريمة تكون جسراً تعبر فوقه التعاليم الربانية والسيرة المثالية إلى العالمين، لكن ذلك النقاء والجمال الروحي الذي تحمله المجدلية محاط بمجتمع ذئاب بشري سيئ، يرتدي قميص الإيمان وينفذ خطوات الشيطان. لقد دأب الشاعر على جعل هذه الرمزية بيانا لعصرية جاهلية، تنتهجها الأمم وهيئة الأمم لتكشف عن أنياب ومخالب الواقع الدولي الآثم والغارق حتى أخمص قدميه في جرائم اغتيال البراءة في العالم واحتلال الأراضي والمجتمعات الضعيفة وتشريد أهاليها.
 ''والضحايا، يقول (ابن كيمون)''. «بانكيمون» والذي قبله والذي يليه ليس لديهم عمل غير التعبير عن القلق، إزاء ما حدث وما يحدث وما سيحدث. البيانات والتصريحات الأممية وما ينشر في وسائل إعلام رعاة حقوق الإنسان تمضي بنسيان كفقاعات الهواء، إزاء جرائم العدوان على اليمن وقتل الأطفال والنساء والمدنيين بالطائرات والقنابل.
''أقْلقَتْنا رُفَاةُ الضحيّة''. 
''والشفاهُ السواعيرُ تحكي''. وسائل الإعلام التابعة لدول الإمبريالية وواجهاتها الأممية المضللة، المسعرة للحروب والعدوان في المجتمعات العربية والإسلامية، دافنة الإناث، كما كان الجاهلية يدفنون الفتيات، خشية العار، والتشابه قائم مع فارق غاية الوأد.
«دفنَ أحلامِها الأنثويّة''. فالأنثى نواة الأسرة والمجتمعات، لذلك جاء الاستهداف معلماً عليها بدرجة أولى في أنوثتها من خلال الغزو الناعم بالدعوة للانحلال والتشجيع على الانفلات تحت أي مبرر تحرري أو تحجري.
''تنفُخُ الحربَ في كلِّ بيتٍ''. إن هرمية الفعل الإجرامي الذي ترعاه أمريكا من رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة وانتهاء بالقواعد الشعبية الإرهابية تؤكد حقيقة واحدية المنهج الشيطاني الممتد من إبليس إلى الدجال الأعور مشخصاً في أفراد ومؤسسات وتنظيمات دولية. نحن نعيش في أوج تطور دولة الشيطان التي تستخدم أرقى التكنولوجيا في إدارة الجرائم على مستوى العالم، وتمارس الخداع على أرقى دراساته، والسحر على أدق ممارساته، في التفريق بين المرء وزوجه، ودينه وعقله، وماضيه وحاضره ومستقبله.
''باسمِ كْينُونةِ المذهبيّة''.
الجميل في حكاية الجاهلية التي يسردها الشاعر وليد الحسام أنها تؤكد أنه قياسا على الجهل الذي ترعاه الأمم المتحدة فإن زمن الجاهلية مفهوم سائد في العامة أنه خاص بالمنطقة العربية أو الأمة التي أرسل فيها النبي العربي، لكن الزمن الجاهلي واقعيا يعم العالم كله، وهذا ما يريد إيصاله النص. وإذن فهناك رسالة تحقيقية عامة استبطنت أغوار التاريخ وخرجت بهذه التجليات البديعة. إن العالم كله كان يسوده الجهل قبل مجيء نبي العالمين محمد صلى الله عليه وآله، وعلى هذا سيضطر الباحث المستبصر -أياً كان- لمراجعة تاريخ الأدب الجاهلي في المنطقة العربية وكذلك الأدب في مناطق المجتمعات الأخرى من العالم ودراسته كأدب جاهلي.
استحضاره الزمن الجاهلي من خلال عناصره المرتبطة بالرأسمالية ذات الانحلال الأخلاقي على الصعيد الاجتماعي والسياسي، وكان محور الشر المتحكم بالشعوب في الأزمان الغابرة هو ذاته المحور الإمبريالي المتحكم بالمجتمع الدولي في الأزمان الحاضرة، بنفس النفسيات والشخصيات المحورية وبالقوى والأيادي الناهبة وذات القمصان الراهبة، ولهذا جاء الاستدعاء التاريخي شاخصاً بأسمال المجدلية كشخصية عالمية تجتمع في رمزيتها عدد من الأديان وفي شخص القوى المضللة المسعرات للحروب مستمدة شرارات اضطراماتها اللهبية من شخصية حملت نفسية كفرية ومنظمات حمّالات للحطب، كدلالة على أن المسعرات داخلية تم إعدادها بهذه الكيفية للوقوف في وجه الدعوة المحمدية. الزمن الجاهلي بكل طقوسه الخرافية والنفاقية والكهانية والشركية.
إن القصيدة لها تأثير كلي وتأثيرات جزئية، فالكلي يؤثر في العقل الجمعي والجزئيات تؤثر في العقل الخاص، لأن الخواص متفرغون لدراسة وفهم الجزئيات، ولا أعني أن العامة لا يفهمون الجزئيات، ولكن لأنه ليس لديهم وقت للتعمّق في النص والتأمل في أبعاده الخيالية، غير أن التأثر يكون مشتركا في حالة التذوق، في الجزيء والكلي، وما نلمسه في القصيدة من تأثير كلي وعلى أساس أننا اعتبرنا التأثير صيغة عامة لأي مفهوم شعري يدرس من خلاله النصوص، سواء الصورة الشعرية أو الدهشة أو المفارقة، أو البصمة أو الصوت، وإلا فإن المفترض إيضاح كل مظهر على حدة في حين التطرق إليه. وبالنسبة للجو العام للنص ثمة صوت متميز يحظى به الشاعر وليد الحسام وحظي القارئ بصوت يشبه الماء الشفاف المتدفق بانسيابية ناعمة في وديان الحيمة وثمة نسيم دافئ واخضرار مدهم يوحي في مدرجات قارئ الأبجدية. وعلى جانبي شطري أبياتها، هذه الصورة الطبيعية الخلابة التي ظهر بها عاكساً كل هذا الجمال الريفي الأصيل، هي الفطرة السليمة التي انبعثت منها ثورته الأبجدية في وجه سياسة الطغيان والاستبداد الأشقر القادم من الغرب والغباء النفطي العربي الملتهب في قرن الشيطان.
في هذه القصيدة وفي سواها، يتخذ الحسام من طاقات الحرف ما يشبه الأظافير الواظفة بالفصحى المقاليع الشعرية، تبدو في البداية هادئة كجدول مغمور، ثم تقلع سريعاً بفعل اشتداد رياح انفعال.
«أيُّها الحرفُ لم يَعُد لكَ عندي
وحيُ طَيفٍ، ولن أُعِيرَكَ حَدسَا
أيُّها الحرفُ ضَاعَ حلمُ شبابي
فيكَ، حتَّى أَضَعتُ نفسيَ نَفسَا
اسمعِ الآنَ أنتَ يا حرفُ مِنِّي
صارَ دوري أبوحُ، أحكيَ هَمسَا»
هكذا يأتي استهلال الجدول، وفي مثنى كل بيت بيان يدل على أهبة لعاصفة، فيما يلي أنها مخاضات انفجار ثورات خلف الضلوع قد تضع حداً لتماهي الجميع مع تمادي الغرب المسعور، في استفراده بما لا يحق له.
لنعد إلى جزء «قارئ الأبجدية» الأخير ونلتقط بعض الدهشة لنميز لحظات التأثير فيها بصورة مختصرة.
''والشياطينُ في نَجْدِ نَجْدٍ''. التقاطة بأثر رجعي، كقولنا في اللهجة الشعبية: «فلان واقف باب الباب». 
''في صدى مَنْ أتى بوقُ هندٍ''. الصوت العصري الحامل في عرب إدغاماته بغناته جينات النخاسة الجاهلية ينفخ في بوق هند ذاته. 
ينفخُ النّعْرَةَ الطائفيّة
كعبةُ اللهِ.. لمّا غفونا
صهيَنَتْها الأياديْ الخفيّة''. الكعبة التي لا يسهر حجاجها على حراستها تطالها أيادي الخبث السرية.
«قال لي مَنْ رأى نصفَ جُرحي''. مع فداحة جراحنا المثخنة، إلا أننا لا نبدي منها إلا ما لم نهيمن على ظهوره، هكذا حربنا الموسمية. 
''عاد عصرُ السكاكينِ يوماً''. مع ما يمتلكه العدوان وأدواته من آليات متطورة وضخمة إلا أنه لا يهنأ ارتكابه جرائمه إلا بالذبح بالسكاكين لكي يستلذ بارتعاشة ورعب أهدافه من الأطفال والمدنيين... يمتطي صهوة الفوضوية.
قـارئ الأبجـديــة
قال لي قارئُ الأبجديّة 
هكذا كانتِ الجاهليّة 
هكذا كان ليلُ البغايا 
يُشعلُ الفتنةَ العالميّة 
 هكذا كانَ خُبثُ النوايا 
يوقدُ النّارَ في الآدميّة 
والحروفُ العَرَايا كصمتي 
تَخْطِفُ الفكرةَ الشاعريّة 
قال لي: والدموعُ الثكالى 
لمْ تزلْ آيةَ المجدَليّة 
والضحايا، يقول «ابن كيمون» 
أقْلقَتْنا رُفَاةُ الضحيّة  
والشفاهُ السواعيرُ تحكي 
دفنَ أحلامِها الأنثويّة 
تنفُخُ الحربَ في كلِّ بيتٍ  
باسمِ كْينُونةِ المذهبيّة 
والشياطينُ في نَجْدِ نَجْدٍ 
تَرْفعُ الرَّايةَ الدَّاعشيّة 
تشتري من سلاح الأعادي 
فِكرَ أشباحِها البربريّة 
في صدى مَنْ أتى بوقُ هندٍ 
ينفخُ النّعْرَةَ الطائفيّة 
إنَّها جارةُ السُّوءِ تَغْزو 
أرضَ أمجادِنا الحميريّة  
كعبةُ اللهِ لمَّا غفونا 
صهيَنَتْها الأياديْ الخفيّة 
قال لي مَنْ رأى نصفَ جرحي 
هكذا حربُنا المَوسميّة  
عاد عصرُ السكاكينِ يوماً 
يَمتَطِي صهوةَ الفَوضَوية 
قال لي: للعدى يا صديقي 
طلقةٌ مِنْ فَمِ البُندقية!
* نقلا عن : لا ميديا

في الثلاثاء 14 سبتمبر-أيلول 2021 11:29:08 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=4232