تراث الاستعلاء في قصص.. أحلام جحاف
يحيى اليازلي
يحيى اليازلي
يتقاطع عنوانا المجموعة القصصية «لست سوى امرأة» ورواية «إضرام النيران» للقاصة والروائية أحلام جحاف في أن كليهما أتى على لسان الآخر.. فعنوان «لست سوى امرأة» جاء على لسان شرطي المرور وهي عبارة يقولها بصورة شبه دائمة الذكور كصورة من صور هيمنة الرجل في المجتمع العربي واليمني تحديدا.. وقد تأتي على لسان المرأة كدلالة على رضوخ ومجاراة ومداراة للثقافة الذكورية. وبالنسبة لعنوان رواية «إضرام النيران» فقد جاء أيضا على لسان الآخر مقتبسا من عبارة لسقراط.. كنسق ثقافي ينم عن اطلاع واسع وأصيل للروائية أحلام جحاف التي تسعى في ثنايا فصول روايتها لتكريس فلسفة الأخلاق في العملية التعليمية. لكن ماذا لو سألنا سقراط هل توجد امرأة فيلسوفة.. أعتقد سيجيبنا سقراط ومعه أفلاطون وأرسطو: «لا.. ليست سوى امرأة».. آراؤهم معروفة وأعتقد أن فلاسفة اليونان استعلائيون تجاه المرأة أكثر من غيرهم.. وعندي في هذه الجزئية بالذات أن لا فرق بين نظرة أرسطو وشرطي المرور.. لذا فإن العنوان يدينه أكثر من أن يستهله.
كتبت قبل عام تقريبا عن دور الجدات في تشكيل وجدان الأحفاد وأقصد الجدات تحديدا كرمز للذاكرة الشعبية الثقافية والدينية وأنها هي الناقل المباشر للثقافة الموروثة للجيل التالي أكثر من الوالدين لأن الوالدين يكونان ومايزالان في حالة نضوج وتطور في الوعي ولم يكتسبا بعد الخبرات والثقافة الشعبية التي تؤهلهما لنقل المحتوى الثقافي الشعبي إلى الأبناء.
كنت ومازلت أريد أن أكتب بحثا أحاول أن أعالج فيه مشكلات اجتماعية ونفسية.. المسبب المباشر لها هو الموروث الحكائي والتديني الشعبي.. مثل أوهام العين والمس والسحر والشعوذة منطلقا مما فهمت من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وممررا كل ذلك على ما أعتبره حدود العقل من وجهتي نظري.
فالعين بمفهومي هي الحسد وتأثيره على المحسود مستقبليا عبارة عن ردة فعل كيدية وليست روحية مباشرة. ما ينتج عنها من أفعال انتقامية كسعي الحاسد إلى الفتك بالمحسود أو الإضرار به بيده أو كلامه ما يسوقه إلى إزالة النعمة عنه ولا أستسيغ فكرة إصابة المحسود بالعين المباشرة بمجرد النظر إليه.
السحر بمفهومي عبارة عن القدرة على التأثير في الناس بالأفكار وليس بالطلاسم والشخابيط وعندي أن الأفكار السلبية هي التي شكلت انشقاقات في الأمة الإسلامية وجعلتها سبعين فرقة هي عين السحر وهي السحر ذاته. المذاهب والأيديولوجيات هي السحر.. هي التي تفرق بين المرء وزوجه والمرء وصديقه والمرء وأخيه والمرء وعشيرته.
والمس من وجهة نظري هو المس الفكري أو المس العقدي الذي يصيب الناس بواسطة بعض الحكايات للأطفال والجهال والذي يتطور داخل وعي الطفل ويشكل صورا من الرعب والتصور المرعب المتفاقم للجن والمخلوقات الأخرى المشابهة والتي ليست موجودة أصلا إلا في الأساطير.. كالغول وأم الغول وصياد وأم الصبيان وأم قالد وبقرة الليل والطاهش والبعبوع.. كل هذه أوهام موروثة صنعها الخيال العامي وطورها في حكاياته وليس لها أشكال محددة لأنها لا توجد في الواقع أصلا.
تريد أحلام جحاف أن تعالج في مجموعتها القصصية 'لست سوى امرأة' الجهل والخرافة، وفي روايتها «إضرام النيران» مشكلات التربية والتعليم. وقدمت فلكلورا شعبيا في شكل فلسفي.. وقدمت مضمونا فلسفيا في شكل شعبي.. تربوية من حيث إنها معلمة ومعلمة من حيث إنها مربية.
في حكاية «وعاد رمضان».. وفيها سنتعرف على بعض من عادات اليمنيين في رمضان.. وسنتعرف على مفهوم الأطفال للصيام أو صيام رمضان من وجهة نظر الأطفال.. أو رمضان كما يراه الأطفال.. خاصة الجزئية التي تصف كيفية صيام الأطفال وأن نهارهم الرمضاني يجب أن ينتهي عند أذان الظهر.. لذلك يجبرونهم على تناول الغداء.. وبهذا يكونون قد صاموا نصف يوم لأن الأم ستتكفل بخياطته مع نصف اليوم التالي بالإبرة.. لكي يصبح يوما كاملا. وتشعرك طفلة الحكاية في حكاية الطفلة أنها كانت تتعرض بإجبارها على الإفطار لاستعلاء من جانب الكبار.
لقد جرتني الكاتبة إلى ذاكرة الطفولة الرمضانية وأن لي كطفل طقوسا خاصة في رمضان وفي غيره. مفهوم الأطفال لبعض العبادات يظهر في سلوكهم الفطري والمكتسب أيضا.. أتذكر كنت إذا رأيت في الطريق حذاء مقلوبا أتجه إلى الحذاء لأقلبها لأنها موجهة كما كنت أتصور إلى الله.. أيضا إذا رأيت قطعة خبز مرمية في الشارع كنت آخذها وأقبلها وأضعها للحظات على رأسي ثم أجد لها مكانا بعيدا عن دوس الأقدام.
إن للأطفال نبوءات.. شعور الأطفال بأن في أسنانهم التي يرمونها في عين الشمس أسرارا.. هم لا يعون ما هي.. قد تحقق في زمننا فالطب الحديث قد استطاع استخراج خلايا جذعية من الأسنان اللبنية فعلا.. هذه الثقافــــة الشعبيـــــة الطفولية التي يورثها الاطفال لأترابهم جيلا بعد جيل لم تأت من فراغ ولكنها نبوءة فطرية لا تخيب.
استعلاء الحماة في التراث الشعبي.. فـي حكايات أحلام جحــــاف لــه دوافـــــــع ومبررات تدينية أو عادات اجتماعية.. كذلك الذكر على الأنثى.. وبالمقابل استعلاء المرأة على الرجل كما في حكاية «حطام رجل». واستعلاء المسؤول على المواطن.. واستعلاء امرأة المسؤول.
في قصة بقرة الليل بدا الاستعلاء مخيفا من جهة العمة أخت الأب والتي مارست الترهيب على بنات إخوتها وبصورة عامة استعلاء الأهالي على الطفولة.. والذي ترك أثرا بليغا في نفسي الطفلتين.. لازمهما طوال العمر.
في قصة «غصن الشذاب» بدت العمة الحماة أو أم الزوج مستعلية على زوجة ابنها «سماح» والمسوغ هنا تراثي شعبي.. له علاقة بالعين.. والمس.. لذلك كان لزاما عليها إرغام زوجة ابنها (الوالدة) على وضع غصن الشذاب تحت ثيابها وتحت غطاء رأسها وأماكن متفرقة من جسدها.. لدفع عين الحسد.. التي قد تصيبها من النساء الزائرات.. وكذلك حماية لها من أن يمسها جان أثناء استخدامها الحمام.
حكاية «الزنيحية» أيضا نفس الاستعلاء.. الحماة توبخ زوجة ابنها «جميلة» وتحذرها ألا تنعس أثناء تواجد الزائرات في «مكان الولاد» وإلا فستأتي الزنيحية لتسلبها الحليب من جيوبها.. كما أرغمتها على لبس غطاء غليظ على رأسها لإعطاء مظهر اجتماعي موروث للوالدة.. في حين أن الجو حار ويكاد يخنق الأم والرضيع.
في قصة «نورية» بدا الاستعلاء ليس فقط على أم نورية الأرملة التي أرغمت على الزواج من أخي زوجها الكبير.. لكي لا يذهب الإرث الذي تركه المتوفي الثري خارج نطاق العائلة.. بل إن الاستعلاء مورس على «نورية» الطفلة التي أرغمت بدورها على الزواج من ابن عمها.. لذات السبب الذي أرغمت من أجله والدتها. ما يؤكد أن الاستعلاء لا يتم بصورة فردية على الضعفاء بل ينسرب كل أفراد العائلة.
في قصة «لست سوى امرأة» وهي صياغة مفصحة للعبارة العامية التي جاءت على لسان شرطي المرور.. بقوله للفتاة التي تقود السيارة بعد أن أوقفها زاعما أنها خالفت قواعد السير مع أنها لم تخالف لكنه خاطبها وبلهجة استعلائية: «أنتي غر مرة».
قصتان هما «توقيع شيك» و«ضربوا المدير وأسعدوا الموظفين».. جاءتا خــــارج سياق الحكي الشعبي كتأكيد على استفحال متأصل ممتد لثقافة الاستعلاء حتى في أروقة منشآت الدولة في الوقت الحاضر.
 

* نقلا عن : لا ميديا


في الجمعة 05 أغسطس-آب 2022 07:29:23 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=5725