كل زمان عاشوراء وكل أرض كربلاء
عدنان باوزير
عدنان باوزير
نعم، صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه؛ ولكنه يتكرر بنسخ أخرى متشابهة ومتطابقة بشخوص ووقائع مختلفة.
فكل زمان هو عاشوراء، وكل أرض هي كربلاء، وكل مستبد وطاغية هو يزيد، وكل أداة لعينة لطاغية هو ابن زياد، وكل مرتزق هو عمر بن سعد، وكل قاتل هو شمر، وكل حق ساطع كالشمس هو حسين، وكل مظلومية تدمي القلب هي مظلومية الحسين، وكل حرة أبية هي زينب، وكل براءة منتهكة هي سُكَينة، وكل نصير شهم تشتد به السواعد في يوم كريهة وطعان خلس هو العباس، وكل حر هو الحر، وكل وفيٍّ وشجاع مقدام هو بشير بن عمرو الحضرمي، أنيس بن معقل الأصبحي، الحارث بن امرؤ القيس الكندي، حبيب بن مظاهر الأسدي، حبشي بن قيس النهمي، الحنظلتين: حنظلة بن أسعد الشبامي وحنظلة بن عمرو الشيباني، ونصر وأسلم وجون والحرث والحبيب ورافع... إلخ، وقائمة المائة ونيف تطول، وكل ملحمة هي “الطف”، وكل قوم مؤمنين مخلصين أوفياء هم أولاد الحسين وأولاد إخوته وأصحابه، والسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى الأرواح التي حلت بفنائه.
ما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه مظلومية شعبنا المحاصر في اليمن بتلك المظلومية! وما أشبه حصارنا بحصارهم إلا أنه لا يوم كيومك يا أبا عبدالله!
وما زال ذلك المنطق الأخرق المعكوس هو السائد في يومنا هذا، فقديماً قالوا: “إنما قُتل الحسين بسيف جده، وهو من جلب على نفسه وأهله وأصحابه ذلك المصير المأساوي وسبب كل هذا الشقاق الذي تعيشه الأمة إلى يومنا هذا ولا فكاك”.
وقبله قالوا ـورضوخاً للحديث المتواتر الصحيح: “يا عمار تقتلك الفئة الباغية”ـ إن دم عمار هو في رقبة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وقومه، لأنهم هم من أخرجوه معهم وتسببوا بقتله، وبالتالي فهم الفئة الباغية المقصودة بالحديث!
واليوم يقولون إن “الحوثيين” هم من جلب كل هذا الخراب والدمار والخراب على اليمن، ولولاهم لما أقدمت السعودية على تدمير اليمن، وغداً سيقولون كلاماً مثله... وهكذا، فهذه سنة البغاة والمنافقين في الأرض، يُلبسون دائماً الضحية ملابس الجلاد ويمضون في نسج الأكاذيب الباطلة.
ما أشبه الليلة بالبارحة! فها هو زنيم نجد ويزيد العصر يعود ويركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، و”هيهات منا الذلة”. وبمنطق “الطف” نفسه جاء يقتلنا مرة أخرى، باسم الدين تارة وباسم العروبة تارة أخرى، تماماً كما جز “ابن الجوشن” الملعون رأس الحسين وهو يبتغي بذلك عند الله القربى، قبل أن يُترك جسده الشريف نهباً لسنابك خيل أمية الهمجية ترض عظامه وتُرك مجندلا على رمال كربلاء؛ لكن ما تركه التاريخ وخلده كأعظم مأثرة يستمد منها الأحرار والثائرون بوجه الظلم والبغي إلهامهم عبر التاريخ.
“إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً”، ونستمد من فاجعة “الطف” دروساً وعبراً لا يتسع المجال هنا لذكرها، وأبرزها: أن نعطي الدم وننتصر للدين والمبدأ والعقيدة، وألا نساوم على الحق أبداً مهما اختلت موازين التكافؤ، وأن نقاوم الباطل والظلم والكذب والزيف والتضليل وكل أشكال الانحراف الأخلاقي الأخرى، أن نكون صرخة مدوية.
نعم، أن نطلق بملء حناجرنا وتترجمها أفعالنا، صرخة حق بوجه الظلم والبغي والطغيان والاستكبار العالمي وكل أدواته ومظاهره، وأن ندفع الثمن عن طيب خاطر من أجل أن ينتصر الحق وتسود مبادئ الإنسانية. وكما انتصر الدم على السيف في يوم العاشر من محرم، سينتصر الحق على الزيف هنا.
 

* نقلا عن : لا ميديا


في الأربعاء 10 أغسطس-آب 2022 12:40:56 ص

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=5764