بين كوارث الطبيعة وجرائم أميركا.. إلى أين يتجه العالم؟
شارل أبي نادر
شارل أبي نادر

الزلزال العنيف الذي ضرب جنوب تركيا، كانت تداعياته مدمّرة عليها وعلى الدول المحيطة وبالتحديد على سوريا المنكوبة. حدثت هذه الكارثة في ظل الحديث المتصاعد بقوة على الساحة الدولية حول اعادة اثارة جريمة غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق خداعًا عام 2003 بعد اختلاقها ادعاءً كاذبًا بامتلاكه أسلحة دمار شامل، ليكون الدور الأميركي في إخراج وتنفيذ ورعاية تدمير العراق غير بعيد عن الدور نفسه اليوم في منع وعرقلة مساعدة سوريا باغاثة المنكوبين بالزلزال.

صحيح أنه يمكن القول إن هناك فارقًا بسيطًا بين جريمتي واشنطن في كل من العراق أو سوريا، وفيما قد لا يبدو منطقيًا التشبيه بشكل كلّي، ولكن تبقى تداعيات التدخل الأميركي المباشر قريبة بنسبة كبيرة من بعضها بعضا بين العراق وبين سوريا، وذلك للأسباب التالية:

أولًا: لناحية عدد القتلى والمصابين والدمار، حيث نتكلم في غزو العراق عن الملايين بين قتلى ومصابين ومتضررين مع دمار أصاب تقريبًا كل البلاد، ومع خسارة البلاد ثروات ضخمة وامكانيات وبنى تحتية، الأمر الذي يبقي هذه الارقام قريبة من أرقام الخسائر في سوريا، مع تفاوت بسيط نسبة للفارق في المساحة وعدد السكان وتنوع مصادر الطاقة.

ثانيًا: لناحية المسؤولية الأميركية الأساسية في غزو العراق أو في غزو سوريا، حيث قادت واشنطن وبامتياز عملية تدبير الادعاء الكاذب حول أسلحة الدمار الشامل، وعملية تأليب وجر أو دفع المجتمع الغربي نحو دعم الغزو والمشاركة بقوة فيه، وتحت مظلة مشبوهة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بقرارات خادعة ومعلبة، تمامًا كما هندسها كولن باول في انبوبه المشهور الحامل لعينة أسلحة دمار شامل عراقية (كما ادعى في مسرحيته)، حين أكد امتلاك العراق تكنولوجيا إنتاج الأسلحة البيولوجية وأظهر أنبوب اختبار بمسحوق أبيض، وليتوصل (بدفع اميركي) الكثير من المشاركين في الجلسة إلى استنتاج أنّ هذا المسحوق هو نموذج لأسلحة الدمار الشامل المصنوعة في العراق. كذلك المسؤولية الأميركية المباشرة في كارثة تدمير سوريا، حيث أطلقوا مناورة خلق وتركيب ادعاءات واهية ودعموها بتسهيل ادخال جحافل الارهابيين من كل أقطار العالم، وتجهيزهم بأكثر الأسلحة فتكًا، مع تأمين تمويل ضخم من قبل دول اقليمية معروفة لحرب ارهابية ضد كل مفاصل سوريا ومناطقها ومواطنيها وجيشها.

ثالثًا: لناحية استمرار التدخل في العراق وسوريا، بكل الطرق المخابراتية والسياسية والعسكرية، بهدف عرقلة كل امكانية لاستعادة كل من الدولتين سيادتها وأمنها وسلطتها على كل أراضيها.

في كارثة الزلزال الأخير، ومع حجم الكارثة التي أصابت تركيا كونها نقطة الزلزال مباشرة، تبقى تداعياته على سوريا أعنف وأكثر ايلامًا، والسبب الرئيس لذلك يبقى في استمرار واشنطن بتنفيذ دورها الاجرامي بمحاصرة سوريا ومنع أغلب الدول التي تريد مساعدتها في اغاثة المنكوبين. تحت شعار قانون "قيصر" تطبق أميركا الحصار القاتل على دولة وعلى شعب مظلوم، فيما أشد ما تحتاجه سوريا اليوم في هذه الكارثة الطبيعية هو أوسع دعم وبقدرات فوق العادية في التجهيزات أو الاختصاصيين لتخفيف نسبة ولو بسيطة من نتائج الكارثة المدمرة واغاثة المنكوبين العالقين تحت الردم الذين تتضاءل فرص نجاتهم مع تقدم الوقت وبظروف مناخية صعبة جدًا.

صحيح أن الفاجعة في تركيا أو سوريا هي نتيجة زلزال أو كارثة طبيعية، ولا مسؤولية مباشرة للأميركيين فيها، ولكن تبقى مسؤوليتهم المباشرة والرئيسية في تعميق مأساة سوريا وأبنائها، من خلال عرقلتهم عملية اغاثة المصابين والمنكوبين، وذلك في اتجاهين:

- أولًا: بطريقة مباشرة اليوم في استمرار فرض قانون قيصر الذي يقيد بمفاعيله مساهمة القوى الخارجية في عملية الاغاثة.
- ثانيًا: بطريقة غير مباشرة في محاصرة الدولة السورية والتسبب في ايصالها إلى مستوى متدنٍ من الامكانيات والقدرات التي تحتاجها أية عملية اغاثة عادية بالحد الادنى في مواجهة زلزال استثنائي بدرجته وبامتداده وبقوة تدميره .

يطول الحديث عن الكوارث التي تخلقها واشنطن عبر العالم، في محاصرتها للشعوب والدول التي ترفض انصياعها لها، من ايران إلى فنزويلا الى كوبا وغيرها، والحديث يطول ايضًا عن مسؤوليتها المباشرة فيما يصيب الشعوب والدول من حروب مركّبة، تساهم بشكل رئيسي في خلق عناصرها وتفعيلها، مثل الحرب في أوكرانيا اليوم مثلًا، وما يمكن أن تسببه من ويلات وحروب مرتبطة بها ربما تكون بمستوى عالمي، أو مسؤوليتها الساطعة في الحرب على افغانستان بالامس وامتدادًا الى وقتنا الحالي.

فهل تكتفي واشنطن بما اقترفته يداها من جرائم عبر العالم حتى الآن؟ أم أن العالم على موعد مع مغامرة جنونية مجرمة أخرى لها وهذه المرة من شرق آسيا وعلى سواحل دول بحر الصين الجنوبي أو بين الكوريتين أو بين اليابان وتايوان والصين أم في كل تلك المناطق مجتمعة؟

 

* نقلا عن :موقع العهد الإخباري


في الأربعاء 08 فبراير-شباط 2023 08:37:58 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=7187