يحيى اليازلي
طباعة الصفحة طباعة الصفحة
RSS Feed سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
RSS Feed
يحيى اليازلي
«كتاب الاحتضار» للشاعر عبدالمجيد التركي.. موميائية اللحظة واختمارات الصورة الشعرية
الشاعر وليد الحسام «قارئ الأبجدية»
يحيى شرف الدين .. صوت شعري متميز
مجزرة تنومة الكبرى للباحث حمود الأهنومي
«رمال متحركة» مجموعة قصصية لعبدالكريم الشهاري
أحلام جحاف «لست سوى امرأة»
ضيف الله سلمان والقصيدة المنافحة
البيان الشيعي... قصيدة لصلاح الدكاك
مدارية ألف وواحد في شعر علي جاحز
أوجاع عبدالحفيظ حسن الخزان في كتاب

بحث

  
«قمر ونافذة» ديوان للشاعر إبراهيم طلحة
بقلم/ يحيى اليازلي
نشر منذ: شهرين و 26 يوماً
الجمعة 02 يوليو-تموز 2021 09:25 م


"قمر ونافذة". العنوان يوحي بارتباط الشاعر بالمساءات المقمرة والأقمار المدورة والأشعار النابضة بالعشق واللوعة والاشتياق. وقصائده تفيض رقة وعذوبة وجمالا، ولكن غالبا الأنثى عنده لها دلالات وجدانية متعلقة بالحياة والجمال والوطن. وعلى كل فالشاعر إبراهيم طلحة يشبه في هذا المنحى الشاعر حسن عبدالله الشرفي.
أول نص في الديوان بعنوان "بدون مقدمات":
"أقول لكم بدون مقدمات
بأني لست محمود الصفات".
هكذا عكس الواقع تماما. أعرف إبراهيم طلحة. خجول، هادئ، مهذب، ليس بالجرأة التي تبوح بها قصائده، لكنها شطحات الشاعر. ألا ترى إلى قصيدته "إيتيكيت" يقول فيها: "أغازلهن لكن لا أخون فلا تذهب بحلوتي الظنون". قصيدة "دستور عسر" التي تحكي عن شخصية "قبيلي عسر" بالمعنى الذي يفخر به كل يمني أصيل، يتحلى بالصفات النبيلة النابتة في الريف حيث النقاء، ويحمل أخلاق بيئته الكريمة، وبالرغم من انفتاحه على وسائل التحضر في المدينة إلا أن هذه الأخيرة لم تغير في سجاياه وأخلاقه النبيلة شيئا، فهو يعشق، لكن لا يقبل بأن يكون هذا العشق سببا للمساس بكبريائه. هذا ما تحكيه قصيدة "حب يليق بك":
"أنا حبي يليق بمستواك.
 نما قلبي وشب على هواك
ولكن حين تعتقدين يوما
 بأن الله لم يخلق سواك
 أغير نظرتي وأعز نفسي 
وأدعسها ولو كانت فداك".
ما أغلاك يا إبراهيم وما أعزك!
الشاعر النبيل يجسده هذا البيت من قصيدة "أمان"، يقول:
"هذا أنا بصراحتي وبساطتي،
تكفي برأيي شربة ورغيف".
وأريد أن أطلع إلى خبايا قصيدة "قبيلي عسر" أو كما في العنوان "دستور عسر". هي تحكي عن عسارة قبيلي، والقبيلي بالمفهوم الشعبي اليمني كالصعيدي بالمفهوم الشعبي المصري، يحمل في طبيعته كل صفات مكارم الأخلاق. هذا القبيلي هو إبراهيم طلحة، الشاعر الذي يشبه عمرو بن معد يكرب الزبيدي حين قال:
"وإني لعبد الضيف ما دام نازلا
وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا". 
ويشبه عنترة بن شداد حين قال:
"أغشى الوغى وأعف عند المغنم".
ألا ترى إلى عنفوان طلحة حين يقول:
"أحب ولا أحب وذاك شأني 
وفي الأفراح أحضر والمآسي 
أنا متعصب وأحب قومي
أحب بفطرتي أهلي وناسي".
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، الشاعر يعالج في قصيدته هذه وفي بقية قصائده احتمالات قد تخطر في ذهن القارئ يرد عليها في السياق نفسه، فلا يكاد يخرج منها القارئ إلا وقد أحاط بتفاصيل غائرة في نفسية لا تبرح بعدها عقده ومكبوتاته أن تتعافى. وإذ هو في كل قصائده يحيط بخبايا أسئلة المتلقي المفترض ببيان يظهر في السياق هو أيضا يفجر مكنوناته الشعرية من خلال السؤال والتساؤل والجواب والتجاوب في البيت والفقرة الشعرية نفسها، إلى أن تتداعى الغيمة في الأفق فيتجلى الوهج البوحي، وهذا أسلوب شعراء كالبردوني. إن لديه حافزا من القلق الناشئ يشبه إلى حد ما قلق المتنبي الذي يقول: 
"على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها يمينا أو شمالا".
قلق يولد الدهشة. يقول إبراهيم طلحة في قصيدة "أحتاج شاعرة": 
"وحين تدخل في دوامة القلق
فقل أعوذ برب الناس والفلق
وهكذا منهجي من يوم أعرفني
أغشى البحور ولا أخشى من الغرق".
هو فعلا يغشى البحور كلها، بما فيها بحور الشعر. وحين يكتب الشعر كما يقول في قصيدة "أحتاج شاعرة": "إذا كتبت فأشعاري مقدسة قصائدي لم تكن حبرا على ورق"، فإنه يختار البحر الذي يناسب ما يغتلي في صدره ليبني عليه قصيدته. وفي هذا الديوان (قمر ونافذة) الذي يحتوي على مائة قصيدة أجاد الكتابة الشعرية العمودية على كل البحور، البسيط والوافر بصورة كبيرة، فثلث المجموعة من الوافر وقريب منها من البسيط.
مما يميز شعر طلحة القافية المبنية بدقة وبشكل متماسك ومنسجم مع نظم البيت، ومسبوكة بحيث لا تستطيع استبدالها بغيرها في البيت، فلا يصلح إلا بها. وهو من أفضل الشعراء صياغة للمطلع، ويعتبر بيته الأول من كل قصيدة مجسما لها ومعبرا عنها.
نأتي إلى قصيدة ملحمية طويلة عميقة من بحر البسيط بعنوان "ثنائية واحدة" فيها فلسفة شعرية ونظم احترافي مبهر وإحالات ثقافية أشبه بالأساطير. مدخلها حواري هادئ:
"فما اقتربت أنا إلا لتقتربي
لم أقترب منك كي تنأي وتبتعدي"
يتحول فجأة في البيت الثامن من العتاب إلى الذهول في مشهد درامي يرعبك، لكنك لا تولي فرارا:
"وكنت نائمة واستيقظت فتن
وكانت الفتن الهوجاء في صددي".
ومن بعد هذا تبدأ متوالية المشاهد والأحداث الخاطفة التي تكشف عن شاعر متمكن في اختزال الزمن في حوارية شعرية ممتعة مع النفس ومع شخصيات النص المتعددة بتنوع الخطاب في وحدة موضوعية شيقة أساسها تقلبات الوقت والأوضاع والأحوال. فتارة يحدث هاتك، وتارة يحدث هذاك يناديه بـ"يا ولدي". هنا يستحدث "البسوس" وثمة "أحد" و"بدر". يتذكر مشهد الثورة التي ما إن أوقدت شعلتها حتى سرقت. أصوات مغنين ومقرئين، مشهد لأخوين تسورا عليه المحراب، مشهد شهيدين ما إن مضت فترة عليهما حتى امتدت الأيادي إلى المدد، نكف "علي" إلى همدان، مذهبان ولم يذهب لأيهما أحد، لكن مقامهما من بعضهما كمقام الروح والجسد. 
القصيدة مشحونة بأحداث وشخصيات وأماكن ووقائع تاريخية بأسلوب شعري جميل يحكي عن شاعر مترع بالوطن ولحظات شعرية مفعمة بالتناقضات والتوافقات معا.
ومن قصيدة بعنوان "قنوت الشعر" مطلعها:
"غدا يا سرب أحلامي أموت
وتنسج فوق قبري العنكبوت".
لسنا لتحليلها، لأنها تغني عن أن يقترب منها محلل لا يحسن الإنصات للقنوت، ما خلا توضيح بسيط للبيت الذي يذكر فيه الأنثى، فقد وجدتها فرصة لأؤكد أن الأنثى عند إبراهيم طلحة أيقونة يختزل فيها أشياء مهمة كثيرة بالنسبة له. إنها رمز الوطن والجمال ومجتمعه اليمني بقيمه الأصيلة:
"سأمنح قبلتي لك قبل موتي 
شفاهك حلوتي عنب وتوت".
الأنثى كرمز يعني الكثير للشاعر في هذا البيت، وكذلك التوت والعنب، رمزان لمعان جميلة متعلقة بالانتماء والقضايا الرئيسية.
شعــــــــــــــاع من قمر ونافذة:
صباحك القشطة البيضاءُ والعَسَلُ
صباحُكِ الحبُّ، كُلّ الحبِّ، والغَزَلُ
صباحُ عينَيْكِ، ما أحلى رموشَهُما
صباحُ خَدَّيْكِ إذْ حلاَّهُما الخَجَلُ
صباحُ قلبكِ، يا قلبي، فديتُ أنا
دقّاتهِ الخمسَ والسِّتّينَ أو تَصِلُ
صباحُ عِطْركِ يسترخي على كَتِفي
حتى تُتَرجِمَهُ الأنْفاسُ والقُبَلُ
صباحُ نَهدَيْكِ ضَمَّانِيْ إليكِ، فلا
خَوْفٌ عَلَيَّ -وقد ضَمَّا- ولا وجَلُ
ظَلَّتْ حياتيَ ملأى بالكثِيرِ، ولم
أشعُرْ بمن خرجوا منها ومَنْ دخلوا
سواكِ، لا شيءَ يعنيني، وهل -مثلاً-
بغَيْرِ ما بيننا قد يُضْرَبُ المَثَلُ؟!!
أنا وأنْتِ حكاياتٌ موقّعةٌ
دَمًا ودَمْعًا على أطلالِ مَنْ رحلوا
أنا وأنْتِ حكاياتُ العُروبَةِ إذْ
أوْدَتْ بهذي الشُّعوبِ الحُرَّةِ الدُّوَلُ
لأنَّنَا في زمانٍ غير محترمٍ
النّاقَةُ اسْتَجملَتْ واستَنْوَقَ الجَمَلُ
لا تعصف الرّيحُ إلاَّ أستَعدُّ لها
لو أنَّها ظُلَلٌ مِنْ فَوقِها ظُلَلُ
إنْ كُنْتِ رِيحًا وإعصارًا أنا جَبَلٌ
وما تَهُزّكَ ريحٌ أيّها الجَبَلُ
قالَتْ، وقد ضَحِكَتْ: بل قُلْ: لنا أملٌ
فَقُلْتُ: سِيّانَ عندي اليأسُ والأملُ
قالَتْ: أليسَ صباحُ النُّورِ يسبقهُ
ليلٌ؟!! معَ الوقتِ والأيّامِ نكتملُ
تفاءلِ، افْرَحْ، وغَنِّ، ارْقُصْ معي طرَبًا
أخبرتُها أنَّني بالجرحِ أحتَفِلُ
أرَدْتُ توديعَها، قالَتْ: تعالَ هنا
"وهل تطيقُ وداعًا أيّها الرَّجُلُ"؟!!
سيرة ذاتية:
ـ إبراهيم محمد عبده طلحة.
ـ دكتوراه في اللسانيات
ـ ناقد وشاعر وروائي.
ـ صدر له عدد من الكتب، ثلاث مجموعات شعرية "على مرمى قصيدة" و"سداسيات الخيال" و"قمر ونافذة"، ورواية "بيت بوس"، وكتب في النقد الأدبي.
تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
الأكثر قراءة منذ أسبوع
يحيى اليازلي
«كتاب الاحتضار» للشاعر عبدالمجيد التركي.. موميائية اللحظة واختمارات الصورة الشعرية
يحيى اليازلي
سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
خليل المعلمي
عام كامل على رحيله: الشاعر حسن الشرفي.. فارس الكلمة وعاشق القصيدة
خليل المعلمي
الجبهة الثقافية
الخارطة البحثية.. أولوية وطنية لتحقيق الشراكة والتنمية المستدامة
الجبهة الثقافية
يحيى اليازلي
البيان الشيعي... قصيدة لصلاح الدكاك
يحيى اليازلي
الجبهة الثقافية
مواقفُ لا تُنسى
الجبهة الثقافية
يحيى اليازلي
مدارية ألف وواحد في شعر علي جاحز
يحيى اليازلي
عبدالفتاح علي البنوس
كمال "الشهيد والشهادة"
عبدالفتاح علي البنوس
المزيد