يحيى اليازلي
طباعة الصفحة طباعة الصفحة
RSS Feed سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
RSS Feed
يحيى اليازلي
ضيف الله سلمان والقصيدة المنافحة
البيان الشيعي... قصيدة لصلاح الدكاك
«قمر ونافذة» ديوان للشاعر إبراهيم طلحة
مدارية ألف وواحد في شعر علي جاحز
أوجاع عبدالحفيظ حسن الخزان في كتاب
نبوءات «مشهد خاف أن ينتهي» للشاعر علي جاحز
البعد الروحاني في مناجاة أشواق دومان
الشاعر عبدالقوي محب الدين.. الآتي بدموع شيعي وصوفي
الشاعر عبدالقوي محب الدين.. الآتي بدموع شيعي وصوفي
نحو معايير نقدية مشتركة للتحكيم
فلسفة الموت في نصوص محمد المنصور
فلسفة الموت في نصوص محمد المنصور

بحث

  
«الأيام المندسة» للمتوكل من الداخل
بقلم/ يحيى اليازلي
نشر منذ: 4 أشهر و 28 يوماً
الأحد 07 مارس - آذار 2021 07:53 م



عن التصنيف والتجييل


"الأيام المندسة" مجموعة شعرية جديدة للشاعرة المبدعة الدكتورة ابتسام المتوكل.


لا أريد أن أصنف أدب المبدعة ابتسام المتوكل ضمن الأدب النسوي، لأن ما جعلته ضمن برنامجي للكتابة عنه من أدب الحرب للنساء لا أحب تسميته أدبا نسويا، خاصة في مرحلة مناهضة العدوان على اليمن، إلا في حالة أن حاولن هن وغيرهن من الشعراء الرجال الذين لم يذهبوا للجبهات كتابة الزامل، وقد كتبت عن ذلك في قراءتي لشعر الزامل، فالزامل لا يكتبه إلا رجال المعارك، لأن شاعرات النضال عامة، والشاعرة الدكتورة ابتسام المتوكل خاصة، باعتقادي قد تجاوز التصنيف والتجييل، ويجب أن يدرس أدبها كحالة إبداعية إنسانية مميزة، أضف إلى ذلك أنها رئيسة الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان.
وفي قراءتي لديوانها "الأيام المندسة" سأحاول أن أطل أو أغوص أو أتنقل بين نصوصها لاستكشاف هذا البناء الشعري المتماسك بالجمال والفن والإتقان. وليس عيبا إن قلت في مستهل هذا الحديث إني لست متخصصا في النقد، وأني فقط شاعر ومتذوق للشعر وأحاول في كل مرة أن أكتب عن الشعر من منطلق أو من منظور انطباعي أو سليقي بحت.
ابتسام المتوكل معروفة وليست بحاجة للتعريف وليست ناقصة شهرة، كما أنها ليست بحاجة للتقييم أو التقويم، فهي أكاديمية متخصصة في الأدب العربي وتحمل شهادة دكتوراه في هذا المجال. كما أنها شاعرة متمكنة ومبدعة في الشعر والنقد، ومتحدثة ومحاضرة من الطراز الأول. تجيد كتابة الشعر بجميع أشكاله وضروبه، وتمارس الكتابة منذ سنوات طويلة. وهي في هذا الديوان أو المجموعة الشعرية الجميلة تمثل أدب المرحلة كما ينبغي، في الشعر الفصيح، من حيث أنه أدب يحمل قضايا إنسانية ووطنية، ومن حيث أنه شعر حداثي عالمي يمتلك كل مقومات الحداثة.
"الأيام المندسة" قبل أن أقرأ محتواه أستحضر عنوانا لرواية لي أعمل عليها منذ سنوات تحاكي تفاصيلها الأحداث منذ 2011 إلى هذه الأيام، التي نعيشها ونقاسي فيها ويلات العدوان، بعنوان "أعوام الفيل". ولا أدري لعل محتوى "الأيام المندسة" يشبه مقاصد "أعوام الفيل"! كتبت "مقاصد" وأنا متردد لكثرة استخدام الفقهاء هذا اللفظ حين يتحدثون عن مقاصد الشريعة.

نص بديع لصنعاء
والآن ندخل إلى "الأيام المندسة".
أول نص في المجموعة موضوعه صنعاء، وعنوانه "عري يطرزه العلن". وفي الحقيقة هو نص تفعيلي موزون فاتن، غير أنه رتب على هيئة النص النثري بطريقة تناسب نفسية الشاعرة لحظة الكتابة، أو كفتاة صنعانية تطرز قماشا حريريا أنيقا.
لا يملك أي شاعر يحاكي صنعاء إلا أن يتفجر الإبداع من بين أصابعه، لأنه يحاكي أقدم مدينة في التاريخ الإنساني، فما بالك لو كان هذا الشاعر يملك من الرهافة والجمال ما تملكه ابتسام المتوكل؟!
وقد قلنا آنفا إنه ما من شاعر مرهف يزور صنعاء القديمة إلا ويكتب عنها أجمل الكلمات. وحتى أنا كتبت قصيدة لصنعاء نشرتها في صحف وتقع ضمن مجموعتي الشعرية الثانية "وصايا الخروج" التي صدرت عام 2004، وأظنها جميلة..
القصيدة التي نحن بصددها عن صنعاء للشاعرة تحت عنوان "عري يطرزه العلن". هذا العنوان جاء من جملة شعرية في النص من البيت الذي يقول:
الأسود المسكوب ليس قميصها
هي شهقة الألوان في عري يطرزه العلن.
وفي تقاليد وأعراف النقاد أن الجملة الشعرية أو البيت الذي ينبثق منه عنوان القصيدة هو البيت الأنضج، لأنه جاء في صيغته النهائية، التي لا ينبغي إلا أن تكون عليها، كأنها مخلوقة خلقا. ومع ذلك ورغم هذا النضج المدهش فإن بإمكاننا محاولة فهم هذه الصيغة بصورتها النهائية، وإن كان تفسير الشعر على أية حال منكرا في عرف النقاد، فالشعر كما يرى البردوني يُتذوق ولا يُفهم؛ لكن لدينا هنا:
"الأسود المسكوب ليس قميصها". والسواد غالبا يُفهم على أنه الحزن، وما ذهبت إليه شاعرتنا وصفته بالمسكوب، والسكب غير السفح وغير الإهراق، لأن السكب يأتي بعناية، كما أنه يأتي من أعلى إلى أسفل، ولأنه كذلك فقد يكون المعنى المقصود هو البرقع الذي ترتديه النساء، إذا صح التصور. لكن قولها في شطر البيت: "هي شهقة الألوان" يحيلنا إلى أن المقصود بالأسود المسكوب هو دموع الحزن الموجهة إلى عري معلن آت من الخارج، ووصفه بالسواد دلالة على أنه تفاعلات اشتعالات واضطرامات في القلب، ولعله الغزو العسكري أو الثقافي الذي يفسره البردوني في قصيدته "الغزو من الداخل"، لكن السياق يشير إلى أن ثمة رفضاً لوضع سيئ قائم، تريد الشاعرة إزاحته عن المشهد في صنعاء. عموما سأنشر النص الجميل وإن كنت لم أتحدث عنه إجمالا ليستمتع بجمالياته القراء.
صنعاء فاتنتي وواحدتي وسيدة المدن
صنعاء سر يمامة عشقت هنا جبلا فهامت وافتتن...
هي ليست القدم المقيدة الرؤى
هي رقصة موزونة تختال في "باب اليمن"
صنعاء أصل حكاية أرق الجمال فصاغها
من رقة المعنى الحسن
صمت النساء الخانعات نقيضها
هي دندنات العشق للحب الأغن
صنعاء شعر حبيبة تؤوي الحبيب ضلوعها
وتظل تسميه الوطن
صنعاء فيض غمامة يروي المكان مياهها
تحكى فتمطر كل فن
الأسود المسكوب ليس قميصها
هي شهقة الألوان في عري يطرزه العلن
صنعاء سحر أنامل نقشت محبتها لنا قمرية قمرية
في سحنة البيت القديم وفي تقاسيم الزمن
صنعاء شجو "حمينية" باحت بلوعة عاشق
الشوق صمته قال المعنى: دمع عينه ما سكن
صنعاء شكل قصيدة طرب الإله لوقعها
إذ قال: فلتكن اليمن!

الحروب الذكية
قلنا: لا نستطيع أن نصف أي أدب كتب في خضم مواجهة الغزو أو العدوان بالنسوي أو أي تصنيف آخر، إلا أنه أدب مقاومة ومناهضة، لأن العبرة بالمقام الذي ارتقى إليه الشاعر أو الشاعرة، ونحن هنا إزاء أدب إنساني بحت.
"في الحروب الذكية".
في الحروب الذكية
يختلف الأمر كلية
عن حروب مضت
حين كان الغباء يدير المعارك
أو أمها
"انظروا"
في الحروب الذكية
تقضي الضحية
وهي تغازل قاتلها
تتغنى بأفعاله كلها
ثم تشكر جرأته
وتهيم بعاصفة في يديه
وتبيح له
ولها
ليلها...
إلى آخر النص. ويحكي أو يصور الفروق بين الحروب في الزمن الماضي، ذات الأسلحة العادية، وبين الحروب في الحاضر مع وجود الأسلحة الحديثة الذكية.
مجمل ما تشير إليه القصيدة هو أن في الماضي حين كانت الأسلحة التي تدار بها المعارك عادية جدا إلا أنها كانت تحقق النصر للشعوب العربية حين تستخدم عقولها غير آبهة بقدرات الخصم، بينما في الحروب الآن وبعد أن صارت أدوات الحرب ذكية متطورة واجهها العرب بكل غباء ولهذا هُزموا وتم إذلالهم.

عناوين خاطفة
حين لا يكون الشكل الشعري عائقا، أو حين لا تمثل الأشكال الشعرية إشكالا بالنسبة للشاعر، فنحن إذا إزاء شاعر متمكن تجاوز الشكل إلى الجوهر، وهذا ما تقوله الشاعرة ابتسام المتوكل، وقد قرأت لها نصوصا من كل أشكال الشعر.
وهي إذ تكتب كل الأشكال تتجلى كمبدعة وفارسة لا يشق لها غبار.
أعتقد أن شكل الشعر ليس مجرد إطار أو قالب وحسب، ولكنه برأيي مقام أو مجال يكون الشاعر فيه مختلفاً تماما عما إذا كان في مجال شعري آخر، حتى لو كتب في غرض أو موضوع مشابه.
"الأيام المندسة" كعنوان شعري مميز يجعلنا نتأمل كثيرا في العناوين الشعرية للشعراء عامة ولعناوين "ابتسام" خاصة، لأننا الآن بصدد قراءة ديوانها.
لماذا تأتي عناوين شعراء الحداثة بهذه الدهشة؟! عند البردوني مثلا تجد هذا العنوان الخاطف: "وجوه دخانية في مرايا الليل"، ومحيي الدين جرمة "غيمة جرحت ماءها"، يحيى اليازلي "فرحة من زجاج"، وعلي جاحز "مشهد خاف أن ينتهي"، وعند محمد المنصور "سيرة الأشياء"... من أين يأتي الشعراء بهذه العناوين السحرية؟!
"الأيام المندسة" جملة شعرية مذهلة جاءت في سياق نص شعري عنوانه "جرائم حب ناقصة"، فلماذا اتخذ الديوان من عبارة "الأيام المندسة" عنوانا له، في حين أن "الأيام المندسة" جاءت ضمن "جرائم حب ناقصة"؟!
لنقرأ النص لكي نفهم ذلك:
في حلم ممحو عند حواف يقظة
سنقايض بالصيف شتاء أصلع
يقرصه البرد ولا تغسله الأمطار
سنقايض بالحب حكايا مطمورات
بغباء العشاق
وعجلتهم
ونداءات النسيان
سنعاقب بالشوق قلوب العذراوات
ونوكل بالهجر رجالا لا تعرفها الأسرار
وقلوبا يغمرها النكران!
نحن هنا إزاء جرائم وجدانية فعلا، وإلا فكيف يتم استبدال الأدنى بالذي هو خير؟! لماذا يتم مقايضة الشتاء بالصيف والحكايا المطمورات بالحب؟! لماذا يتم معاقبة العذراوات بالشوق ويصرح للرجال بالتشبيب؟! لماذا كل هذه الاختلالات أو الإخلالات بالأعراف والنسق في نواميس العشق؟!
سنواصل قراءة النص لنرى:
أترى باصات عالقة
في شريان محشور
بأقصى ركن منسي
في البلد المبتور الأطراف!
لدينا هنا باصات عالقة وبلد مبتور الأطراف... لدينا أزمة مشتقات نفطية وبلد محاصر... الموضوع سياسي برمته، ولكن لماذا استهلت الشاعرة نصها بأوجاع عشق وشوق، بينما صلب الموضوع يتكلم عن أزمة وحصار ومدينة مخنوقة، في زحام يكاد يفتك بالشرايين؟!
وأنا أقرأ نص "جرائم حب ناقصة"، وحين وصلت إلى منتصف النص تقريبا، لم أكن أقصد معرفة أجواء أو بواعث النص، بقدر ما أردت إيصال فكرة أن أجواء النص قد تفيد في مسألة فهمه أو حتى تذوقه جزئيا، وإلا فإن امرأة أو حتى رجلاً يكتب هذا البوح العاطفي الكليم مشفوعا أو ممزوجا بمشاكل الواقع، يفهم منه للوهلة الثانية أن هناك قصة قلبين في مكانين مختلفين حالت الحرب والحصار دون التقائهما.
بعد هذه القصيدة يمكنني أن أقول إن "الأيام المندسة" في أشعار "ابتسام" هي ذاتها اختصار لـ"أعوام الفيل" في روايتي التي لم يطلع عليها أحد حتى اللحظة.

* نقلا عن : لا ميديا

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
سرد وحوار ونقد ضدّ العدوان
عبدالملك العجري
جماعة أنصار الله: الخطاب والحركة
عبدالملك العجري
الجبهة الثقافية
أهمية الصورة في الإعلام
الجبهة الثقافية
أنس القاضي
النزعات الثورية التقدمية في شِعر النمري
أنس القاضي
صلاح الشامي
الشعر في محراب.. العلاَّمة المجاهد سهل بن عقيل
صلاح الشامي
الجبهة الثقافية
الصرخة في زمن الصمت
الجبهة الثقافية
عفاف محمد
شهيد الشعراء وشاعر الشهداء
عفاف محمد
المزيد