ضيف الله سلمان والقصيدة المنافحة
يحيى اليازلي
يحيى اليازلي
إن شعر الهجاء والحماسة والفخر غالبا ما يأتي في الخصومات أو الحروب. وتظهر ثقافة الخصوم من خلال قصائد شعرائهم في سياق الفخر، وعقائدهم في سياق الحماسة.
ما ينتجه شعراء المرحلة هو الحامل المهم لثقافتهم. ولكن إلى أي مدى تأثير كل شاعر في صفوفه التأثير الفاعل من جانب، ومن جانب أهم التأثير في الخصم من حيث تثبيط وإحباط معنوياته؟ أنا أريد هنا الشاعر المثقف المؤثر في العدو، مع الأخذ بالاعتبار أن التأثير في فريق العدوان يضرب بشكل مباشر معنوياته ووجدانه، في حين يقع تأثير الشاعر غير المثقف في صفه وحسب، على سبيل التحفيز.
روح القدس
"أهجهم وروح القدس معك"، يقول النبي لحسان بن ثابت، "ما دمت منافحا عني". روح القدس هو جبريل في معظم الروايات، لكنه بمفهوم خاص القوة التي تمنحه الطاقات الإبداعية، والطهارة النفسية.
إن من أهم المبادئ عند البوذيين، وكثير من التيارات الفلسفية، طهارة العقل. وفي الثقافة القرآنية تجدها في: "فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى". وعلى هذا فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصاحب روح القدس شاعرا من شعراء العدوان، لافتقادهم عنصر الطهارة، فلا أريد أن أسمع كاتباً يقارن بين شعراء العدوان وشعراء الإيمان. نحن إزاء الصرح الأطهر لفئة حية من المؤمنين يسيرون في مجالات مقدسة، وأما الآخرون فشعرهم ميت آسن، يحاولون التأثير فلا يفلحون.
وإذن فالمنافحة تعني أن تري العدو أبجدياته الضحلة وبداياته المهترئة وغاياته الدنيئة، وأن تقتله في نفسه شر قتلة، فتريه في مرآة مستوية صورته الحقيقية التي يتناساها طوال الوقت ويجملها بالنفاق والبريق الكاذب. شعر الهجاء لا يعني أبدا البذاءة والسب، ولكنه المنافحة بأي غرض وبما لا يتعارض مع الطهارة التي يريدها في تأييده بالروح القدس. فبالمحاججة بالأدلة التي تبهت النمرود في نفسه أو تفري العدو، على حد تعبير حسان بن ثابت، بناصع الحقيقة. إن الحق أبلج ولا يوجد عاقل لا يعرفه، والباطل لجلج لا يضل عنه ذو قلب سليم.
يقول ضيف الله سلمان:
"عليكم العارُ يغشاكم مدى الزمن
لأنكم ما عرفتم قيمة اليمني"!!
يا أيها المغشي عليهم بأفعالهم الشنيعة التي لا تغتفر ويندى لها الجبين منذ زمن، لأنكم لا تستحون ولن تستحوا وضمائركم ميتة سيظل العار يلاحقكم إلى آخر الزمان. اقرؤوا التاريخ لتعرفوا الانتصارات التي سطرها المحارب اليمني في كل معاركه على مدى القرون السابقة. ولأنكم ما فقهتم ذلك ومصرون على مواجهته سيهزمكم وستلاحقكم الهزائم مدى الزمن. ذلك أمس، وانظروا اليوم كيف نسحق جيشكم في جيزان وكل هزائمكم موثقة ومعلنة. فهل تكفي لتتوقفوا عن عدوانكم وفتنتكم؟! لا أعتقد!
"هذي المشاهد في جيزان كافيةٌ
بأن تكفوا عن العدوانِ والفتنِ"!!
إعلامنا يبث مجريات المعارك دون إخفاء وتزييف، وتشاهدونها كل يوم على التلفزيون. وأكبر دليل على فشلكم الذريع إلى جانب هزائمكم أمام رجالنا الأبطال أنكم جئتم بجيش من الجنجويد يحرسكم لأنكم جبناء ولأن جيشكم غير مؤتمن وغير كفؤ. ومع ذلك فإن الجيش الذي جئتم به يجندلهم رجالنا جندلة في الجبهات.
"جئتم بجيش من السودان يحرسكم
فجيشكم كان جيشاً غير مُؤتَمَنِ!!
عليه قد ضاقت الدنيا بما رحبت
ومستوى الرعبِ فاق المستوى التقني"!!
ما سماه الملك السعودي المعتوه بالجيش الوطني، لا علاقة له بالوطن، لأنه يتبع السعودي، لذلك هو في الحقيقة الجيش المرتزق الذي يعمل ضد الوطن مع الغزاة.
"قال ابن سلمان هذا جيشنا الوطني
وجيشه قال: هذا الدبّ ورّطني
صرتم لكل شعوبِ الأرضِ مسخرة
كذلك الله يُخزي كلّ مرتهنِ"!!
فلا تدعوا الوطنية والعروبة والإسلام وقد خنتم فلسطين، وهي القضية الحق، وبعتموها لـ"إسرائيل" وطبعتم مع الكيان الصهيوني الغاصب المحتل. ألا يكفي هذا دليلا لتدركوا حقيقة خيانتكم ودناءتكم وأنكم خونة وعملاء؟!
"اليوم تُجزون في جيزان ما ارتكبت
من الجرائم أيديكم لاجلِ بني...
خنتم فلسطين إرضاءً لإخوتِكم
وبعتم المسجد الأقصى لكلّ دني"!!
إن السهل لا يأتي به شاعر مضطرب، وإنما الشاعر المنسجم مع قناعاته والمتجرد من حب ذاته، صافي الذهن يقظ الضمير، ولهذا يعتقد كثير ممن يقرأ السهل الممتنع أنهم يستطيعون كتابة مثله، وما إن يتناولوا القلم يتوقفون، بانتظار الهاجس أن يرسل لهم الكلمات المناسبة فلا يجدون. السهل الممتنع هو النص الذي يتطلبه الموقف، وبه تنتهي الصياغة الأخيرة للشعر.
"بارق النصر من جيزان لاح
وأقبل الفتح بعد الفاتحة "!
السهل الممتنع لا ترقى إليه الصناعة، لأنه يوجد دفعة واحدة ببسم الله كالخلق من الطين على هيئة الطير، بدون طقوس تعد وبدون خطط ترسم.
"من تمسّك بقرن ابليس طاح 
والطواغيت جَمْعَة طايحة
يا أولي الباس حان الاجتياح
والتجارة مع الله رابحة
حلف سلمان تذروه الرياح
والخسارات كبرى فادحة
عالم النفط لاجل النفط صاح
والدما ما سمعنا صايحه"!!
ما رأيته من شعراء المنافحة أنهم يقتبسون من القرآن القيم والعبارات الخالصة دون الشطحات الخيالية والعاطفية.
وهل كان شاعر النبي حسان ينافح بغير الحقيقة؟! كان يقول الشعر لمواجهة كفار قريش بالصدق، فيشبه قوله الماء في صفائه والنار في اضطرامها والسيف في ذؤابته والروح في طهارتها. لذلك كان يقول للنبي: "والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فريا". وهجاؤه أبا سفيان:
"ألا أبلغ أبا سفيان عني
فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيوفنا تركتك عبدا
وعبد الدار سادتها الإماء"!
كان تشخيصا دقيقا وصفه بالمجوف الخاوي، وأنه عبد إماء، لأن لا حقيقة غيرها. 
وفي هجائه المغيرة بن شعبة:
"تركت الدين والإيمان جهلا
غداة لقيت صاحبة النصيف
وراجعت الصبا وذكرت لهوا
من الأحشاء والخصر اللطيف"!
لقد شخص حسان المغيرة بن شعبة بأدق توصيف، فقد كان زير نساء وقصته معروفة بعد الإسلام، فضلا عما قبله.
إن أسمى الكلمات كلمة حق في وجه سلطان جائر. وإننا نعيش في زمن الجور. وإن مواجهة الجور بكلمة هي في الميزان تساوي مليارات الكلمات. إنها أغلى المشاعر والانفعالات.. لمن يفهم قيمة الكلمة وقيمة الإنسانية الكلمات التي توجه للطغاة تأتي حادة وسريعة كالسهام، وصادرة من بين حر الضلوع وآلام القلب وجراحه. وعندما يخاطب الشاعر الأمم المتحدة فليس من المتوقع منه أن يأتي بصفارة الأصمعي ولا ترانيم نزار قبانى ولا سيريانية البردوني... لكل مقام مقال. ومن هذا المقام كان بيان ضيف الله سلمان الشعري أممياً، قائماً على نور الحقيقة، منطلقاً من القرآن، يحمل كل معاني القيم والنبل والإنسانية، لإزهاق أباطيلها:
"أمَمٌ في حربنا مُتَّحدة
ولأمريكا غدت مُسْتَعْبَدَة
أمَمٌ أسكرها النفطُ لذا
همُّها الأكبرُ ملءُ الأرصدة
أممٌ وحشيةٌ ظالمةٌ
دائماً ترعى حقوقَ اليَهْودة
أممٌ ليس لديها قيمٌ
أممٌ ليس لديها أفئدة".
من خلال ما قدمناه عن شاعر الرسول حسان بن ثابت وتأييده بروح القدس وعرفنا مفهوم الهجاء وأنه المنافحة عن النبي ولا يعني إطلاقا السب والشطحات الشعرية، ذات الألفاظ الفاحشة، وقد قرأنا له بعض المنافحات، كذلك رأينا في قصائد الشاعر ضيف الله سلمان نفسية شاعر المنافحة باللياقة القرآنية نفسها التي عهدناها منه في كل قصائده، البساطة والسهولة كأسلوب والمنافحة عن الوطن والدين والشعب كغاية.
* نقلا عن : لا ميديا

في الأحد 18 يوليو-تموز 2021 07:49:03 م

تجد هذا المقال في الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره
http://cfca-ye.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://cfca-ye.com/articles.php?id=4019