علي كوثراني
طباعة الصفحة طباعة الصفحة
RSS Feed مقالات ضدّ العدوان
RSS Feed
بحث

  
عن «الطائف» الذي مات وإلى الأبد
بقلم/ علي كوثراني
نشر منذ: أسبوع و 20 ساعة
الثلاثاء 24 يناير-كانون الثاني 2023 07:55 م


يُسبِغ اللبنانيُّون على محاضر جلسات «الطائف» نوعاً من الغموض والسحر، فتشعر أنَّها لو كُشِفت لتغيَّر الكثير في «النظام اللبنانيِّ». وقد آن الأوان لهذه الأسطورة أن ترحل مع المرحوم.
«الطائف» كان تسويةً بين الأمريكيِّين والسوريِّين حول لبنان في مرحلة انتهاء الحرب الباردة وفقدان سورية الغطاء والدعم السوفييتيَّين، وكانت نتيجته أن قبضت أمريكا على لبنان كلِّيّاً، بعد أن كان من حصَّة الغرب عموماً وبالأخصِّ فرنسا، فنزعت «مجد لبنان» من الموارنة من وكلاء الأخيرة وأعطته للسنَّة من وكلاء السعوديَّة وكيلة أمريكا في الإقليم... مع اختراقٍ بسيطٍ حقَّقته سورية، وهو ضمان ألا يكون لبنان منصَّةً للهجوم عليها، فأمسكت بالأمن فيه وبسياسته الخارجيَّة.
بعيداً عن الشعارات العصريَّة التي نصَّ عليها «الطائف»، والتي لم تكن إلَّا زخارفَ لتزيينه، كان «الطائف» تسويةً دوليَّةً لإعادة إنتاج الهيمنة الغربيَّة على لبنان؛ ولكن بوسائلَ أخرى.
بالإذن من عَبَدة النصوص، فإن «الطائف» طُبِّق كما يُطبَّق أيُّ اتفاقٍ دوليٍّ، أي طُبِّق كما أتاحت موازين القوى الفعليَّة تطبيقه، وتغيَّر تطبيقه في كلِّ مرَّةٍ تعدَّلت فيها موازين القوى، فحاول كلُّ طرفٍ من أطرافه تحقيق المكاسب لنفسه وتفويت المكاسب على الآخر كلَّما أتاح الظرف ذلك، ودخلت بـ«الطائف» لاحقاً قوى كان قد قام على إقصائها... وإنَّ الاحتجاج بنصِّ «الطائف» ضدَّ تطبيقه هو كالنظر إلى أصبع من يشير إلى القمر.
لم تُعلن وفاة «الطائف» بعد؛ ولكنَّه انتهى فعليّاً مع موجة الغزو الأمريكيَّة لمنطقتنا في السنوات الأولى من هذه الألفيَّة؛ إذ أتت أمريكا لتأخذ المنطقة برمَّتها، فغزت أفغانستان ثم العراق، وفجَّرت الساحتين الفلسطينيَّة واللبنانيَّة، بتصفية عرفات والحريري (المدَّة الزمنيَّة بين الاغتيالين: 3 أشهر)، ثمَّ أخرجت الجيش السوريِّ من لبنان تمهيداً لغزوة تموز/ يوليو 2006، التي كان يفترض أن تخلق واقعاً يُمهِّد لقلب المشهد في سورية وإيران.
انتصرت المقاومة في لبنان عام 2006، الأمر الذي كان حاسماً في انحسار هجمة الغزو الأمريكيَّة ضدَّ المنطقة، وفي عرقلة تمهيد الأرضيَّة لقلب مشهدي سورية وإيران، ذلك بالإضافة إلى المقاومة الشرسة في أفغانستان والعراق التي منعت السيطرة الأمريكيَّة الكلِّيَّة على الساحتين، فدخلت المنطقة في حالة استنزافٍ ومراوحةٍ أنتجت صِيَغ مساكنةٍ جديدةٍ فيها، منها اتفاق الدوحة فيما يخصُّ لبنان. ولكنَّ هذا الانتصار وإن منع تحقيق الأهداف الأمريكيَّة وجلب هدنةً إلى حين، فهو لم يحيِ «الطائف»، الذي مات، وإلى الأبد.
ثمَّ جاءت موجة «الربيع» والحروب الأهليَّة بهدف نزع يد السعوديَّة الضعيفة، وتسليم المنطقة العربيَّة لتركيا القويَّة بالوكالة عن أمريكا، لإعادة إنتاج هيمنة الأخيرة على المنطقة. ثمَّ جاءتنا موجة الحصار والخنق الحاليَّة بعد أن فشلت الثانية، ومِن باب «آخر الدواء الكي». ولكنَّ الهجمة الثالثة لم تأتِ لإبدال نسخةٍ من لبنان بأخرى، أو لإبطال نسخةٍ ريثما تتهيَّأ الظروف لصياغة أخرى، بل لتقطيع شرايين لبنان وإنهاء دوره من ضمن الجهود لتحطيم ركائز بعض الكيانات لإعادة ترتيب المنطقة ككلٍّ، فمات كيان «لبنان الكبير» غير مأسوفٍ عليه.
بالمحصِّلة، إنَّ الهدف من كلُّ ما استعرضته في ما سبق من هذا المقال عن «الطائف»، أو وثيقة الوفاق الوطنيِّ، هو أن أقول إنَّ طروحات المرحوم «التغييريَّة» لم تكن ذات وزنٍ أو تأثيرٍ، لا في الطريق إلى الطائف ولا عند صياغته ولا خلال فترة تطبيقه ولا عند موته ولا بعد موته حتَّى. وإنَّ تواطؤ جميع من حضروا وواكبوا «الطائف»، وليس فقط المرحوم الذي احتفظ بالمحاضر لنفسه، على إخفاء ما دار من نقاشٍ هناك ما هو إلَّا جزءٌ من النفاق اللبنانيِّ المعتاد لطمس حقيقةٍ لم تعُد خافيةً على عاقلٍ، وهي أنَّ لبنان لم يكن يوماً دولةً أو ذا سيادةٍ، ولن يكون.
‏والدليل هو أنَّ كلَّ مفاصل تطور ونشأة هذا الكيان متشابهةٌ، من الإمارة (1516) إلى القائمقاميَّتين (1843) إلى المتصرِّفيَّة (1861) إلى لبنان الكبير (1920) إلى الميثاق الوطنيِّ (1943) إلى الوفاق الوطنيِّ (1989)، ‏لجهة أنَّها ترسيماتٌ غربيَّةٌ لحدود نفوذ ومغانم كلِّ طائفةٍ من الطوائف مقابل تجنيدها جميعاً في مشروع الهيمنة، مكلَّلة بتعيين طائفةٍ مختارةٍ لها السطوة على الباقين وتخصيصها بحصَّةٍ أكبر مقابل أن تحافظ بالوكالة على «النظام»، أي التبعيَّة.
‏بعد هذا الشرح، أظنُّه صار مفهوماً أن أشير إلى نفاق المرحوم، الذي لجأ إلى خطاب «التغيير» بعد أن فشل في تسلُّق سلَّم الطائفة، وركب مؤخَّراً موجة الحصار وثورته الملوَّنة، رغم أنَّه العالم بحقيقة هذا الكيان المُرَّة وطبيعة السياسة فيه والشاهد على أهمِّ مفاصله التاريخية المعاصرة.
‏وختاماً: إنَّ الأهمًّ من الإشارة إلى نفاق المرحوم هو التصدِّي لأسطورةٍ جديدةٍ عند بعض التغييريِّين، مفادها أنَّ الانحراف في «الطائف» وبعده قد ولَّد هذا الحال، وأنَّ الإصلاح في لبنان ممكنٌ، هذا ونحن في أحرج الأوقات وأحوج ما نكون إلى محاربة كلِّ وهمٍ يبقينا مسجونين في جثَّة هذا الكيان ويؤخِّر انطلاقنا نحو التحرُّر الشامل من الهيمنة الغربيَّة ومخفرها وكياناتها واقتصادها ونواطيرها.
كاتب لبناني
 

* نقلا عن : لا ميديا

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان وآثاره نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مقالات ضدّ العدوان
الأكثر قراءة منذ أسبوع
فهد شاكر أبوراس
للقرآن يمنٌ يحميه..
فهد شاكر أبوراس
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
نصر القريطي
العداء اليمني للأمريكان واقعٌ منهجيّ ام ارتهانٌ لنظرية المؤامرة..!
نصر القريطي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالرحمن مراد
العدوان.. وسياسةُ التجويع
عبدالرحمن مراد
مقالات ضدّ العدوان
إبراهيم الوشلي
لحن القول
إبراهيم الوشلي
فهد شاكر أبوراس
حقيقة الدور البريطاني في العدوان على اليمن
فهد شاكر أبوراس
مرتضى الجرموزي
الإيمَان يمان والحكمة يمانية
مرتضى الجرموزي
د.حمود عبدالله الأهنومي
الهُوِيَّة الإيمانية وتماسك الأمة
د.حمود عبدالله الأهنومي
عبدالعزيز البغدادي
بيوت الناس كلهم زجاجٌ
عبدالعزيز البغدادي
د.شعفل علي عمير
رفع الدولار الجمركي يفضح المرتزِقة ويعرّي مشغليهم
د.شعفل علي عمير
المزيد